الرئيسية » بورتريه » الايزيدية بين الحضارة الراسخة والنكبات المتتالية / الجزء الثاني

الايزيدية بين الحضارة الراسخة والنكبات المتتالية / الجزء الثاني

خديدا الشيخ خلف الايزيديه

خديدا الشيخ خلف
توجهت سهام الدولة الصفوية والعثمانية الى صدور الايزيدين بعد ما توالت على حكم المنطقة بالحديد والنار ولم يفيدهم حتى دعمهم ومؤازرتهم لهما، فمثلا كان للايزيين دورا كبيرا بقيادة مرزا الداسني في دعم العثمانين على عهد السلطان مراد الرابع وابلوا بلاءا حسنا في المعركة الشرسة التي وقعت بين الصفوين والعثمانين على فك الحصار الصفوي وكسر شوكتهم وتكبيدهم الخسائر البشرية والعسكرية وعلى اثرها تم تعيين مرزا الداسني الذي نطلق عليه من خلال الاغني والملاحم التاريخية والفنية ايزيدي ميرزا .
وبعدها آزر الايزيدين بقيادة حسين بك السلطان العثماني سليمان القانوني في حملته لاستعادة بغداد من سيطرة الصفويين ١٥٣٤ م وكانت مكافأة له بتعيين حسين بك أميرا على إمارة السوران بالإضافة إلى داسن والشيخان . وعلى اثرها لم يهدأ لأمير رواندوز محمد كورا بال ولم يستكين الا وطلب قوة عسكرية كبيرة من الصفويين للانتقام من الايزيدين وبأشتراك معه العشيرة المزورية وبمآزرة ابناء عشيرة الگوران من ابناء حرير ورواندز بشن اشرس حملة عسكرية تخللها اسلحة ثقيلة واباد اكثر من ١٠٠ الف ايزيدي من مختلف المناطق الايزيدية وتم الاستيلاء على مناطقهم الممتدة على نهري خازر وگومل والى عقرة شمالا ومرورا بكلك واربيل شرقا والقرى وتنتهي بالتي كانت تشكل القوس الايزيدي المحيط بمعبد لالش والتي استباحها ابناء المزورين ١٨٣٢ م ولم يكتفي محمد رواندزي بهذا الانجاز توجه الى رجالات الموصل متفقا اياه معهم للف الحبل حول رقاب ماتبقى من الفلول الايزيدية على جبال مقلوب وبعشيقة وبحزاني وعين الصفرة الذي كان يبلغ عددهم اكثر من ٢٠ الفا جلهم من الشيوخ والنساء والاطفال .
حتى استطاع اقناع حكومة الموصل بنصيب من الغنائم والقرى والممتلكات وفي هذه الأثناء راوغ وبالمقابل تقدم رجالات الموصل الى المغدورين خدع أبناء الايزيدية بدخولهم مدينة الموصل للحفاظ عليهم بقطع عهود للحفاظ على حياتهم وباعتبارهم دخلاء فاجتازوا الجسر فأجمعوهم عند تل التوبةو قوينجق وقطعوا الجسر وجميع الطرق والسبل التي تؤدي للنجاة والخلاص من قبضة الوحوش الهائجة المتفقة على ابادتها فابادوهم عن بكرة ابيهم ويقدر عددهم ب٢٠٠٠٠ ايزيدي من الجنسين ودفنوا جميعا تحت اتربة تل قوينجق وسميت هذه المجزرة بمجزرة تل قوينجق .
وبعد نصف قرن اجتاح الفريق العسكري والي الموصل عمر وهبي جميع المناطق الايزيدية وفتك بها واباد الألوف واجبر الباقي على اعتناق الإسلام وتوجه بعدها إلى جبل سنجار الذي عصى عليهم واستمرت الحملات والمواجهات عدة سنوات وفضلا عن استباحتة لإمارة الشيخان ومعبد لالش الذي جعل منه مركز مديرية الأوقات وأكاديمية إسلامية لتخريج ملالي وشيوخ الدين الإسلامي وبالإضافة الى سلب المقدسات الدينية وسبعة سناجقها المقدسة وسلط على رقابهم سكاكين الغدر والخيانة وانتقم من الايزيدية أشد انتقاما والذي كان يعد فرمانه الثاني و السبعين من تسلسل الحملات والفرمانات المدمرة التي شهدتها المناطق الايزيدية . والجدير بالذكر أن ما تعرض له الايزيدين عبر تاريخهم الدموي يتجاوز عملية الإبادة الجماعية (الجينوسايد) حيث تعرضت إلى اكثر من ٣٦٠ حملة عسكرية إقليمية ومحلية منها ٧٢ بفرمان سلطاني في العهد العثماني وبفعل اكثر من ٣٠ فتوى دينية مثبتة تحرم وتجرم وتكفر جميع المكونات التي لا تدين بالاسلام وخصوصا الايزيدية التي تعد حسب شريعته وفي نظرهم من اكفر الديانات باعتبارها وهكذا تحولت الايزيدية من الأغلبية والحضارة الراقية الى أقلية ضعيفة لا حول ولا قوة لها وبعدما استنشقت شئ من نسيم الحرية وتذوقت طعم الديموقراطية في عهد نظيف باشا المسالم والذي ارجع المقدسات الدينية ورد اعتبارها ومرورا بالحكومات العراقية السياسية والدينية والمذهبية منها من اعترف بمكانته وقضيتها الانسانية واخر ينفي وجودها ويزييف تاريخ امجادها وناهيك عن حملات الانفال والتغيير الديموغرافي الذي نال منها ايضا الى جانب المكونات الاخرى .
استمرت التقلبات الزمنية والتغيرات السياسية لعشرات السنين ومضى على الإبادة العثمانية الأخيرة ١٢٢ عام و لكن التاريخ عاد نفسه وتفاجأت الايزيدية باجتياح مواطنها و شن عليها غزوة وحشية و حملة عسكرية من قبل (داعش ) الدولة الإسلامية في العراق والشام في الثالث من أب عام ٢٠١٤ م والتي تعد من أشد حقب التاريخ مآساة ومعاناة وغدت خليطا من التناقضات الصاخبة وخيبات الامل المريرة والتي اجتاحت قضاء سنجار ووحداته الإدارية وجميع القرى الايزيدية التابعة لبعاج وتل عفر وارتكبت بحق ابنائها اغرب واعجب المجازر ومن قتل وسبي وتهجير وترهيب وتخريب واستباحة الأرض والعرض وحولت المنطقة الى مصلخ لتفتيت وتقطيع أشلاء ابناءالايزيدية وعاثوا في الأرض فسادا و تم سبي عدة الاف من النساء والفتيات والاطفال وابادة اكثر ٣٠٠٠ من سنجار وخصوصا في مذبحة كوچو الايزيدية ولم تسلم من ايديهم منطقة سهل نينوى وبعشيقة ومناطق اخرى على محاذات الحدود الفاصلة بين الموصل وكوردستان .
وكل مادار من دوائر شرسة على هذا المكون العراقي الأصيل كان سببه رفض الذل والرذيلة ونظام الغاب و البربرية وشريعة الوحوش ولانه يتشبث بديانة الأجداد وأرضه الطاهرة ومقدساته الدينية ولأنه يعد من المكونات الحضارية وذو التاريخ الشامخ والمبادئ التسامحية وكما يوجه على التسامح والتعايش السلمي والعدالة والمساواة بين ابناء مجتمعها .
نستنتج من هذا أن حضور المكونات الأصيلة والأقليات في المشهد العراقي شهد موجات كبيرة من الحملات والهجمات والتغيرات الدموغرافية وتزييف التاريخ الحقيقي وطمس الهوية الثقافية والدينية بالأخص
ولتعلم جيدا بأن إنسانيتنا لا قيمة لها في نظرهم وكياننا لا مكان له في مفهومهم وشرائعهم لا ترحمنا ولا ذكر فيها لحقوقنا وقلوبهم صخر لا تعرف الرحمة بنا وبتنا نتلاحق من قبل زوابعهم الطائفية وفتواهم المقيتة .ولا زالت وجوه كاحلة تمنحنا الخوف والرعب من المجهول يكاد ينال من تاريخنا وحضارتنا لذا نحس بأن في داخلنا روح تخشى حتى ظلها تريد أن تجهش بالبكاء كالاطفال ودموعها مختفية وتتزاحم الاوجاع فلا قلبا عاد يهوى ولا نفسا باتت تشتاق احلامها المستباحة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*