غاليتي

محمود شمايلهبقلم: محمود الشمايلة

يتواطأ معي القدر مرة أخرى ،يمنحني لقاء جديد بلا مواعيد مسبقة ، لم أكن بحاحة إلى ترتيب باقة من القصائد ، فنظرة من عينيها كانت كفيلة بأن تمنحني كل هذا الارتباك.

في المقهى التقينا، اتخذنا الزاوية البعيدة ، جمعتنا طاولة مستديرة جعلتنا نشعر بأن لا حاجة لنا بالكرة الأرضية،
غابت الوجوه تماما، كما غابت أصوات الاراجيل وحتى صوت الاغنية السوقية البذيئة.

تقابلنا بابتسامة والكثير من الشوق ، كانت ترتدي حجابها بطريقة تمنح وجهها كامل استدارته ، تطل عيناها اللوزيتان كنافذتين انيقيتين على حدائق الفرح …

وثمة حزن سرمدي ما زال يسكن عينيها ..

امرأة اربعينية بكامل نضجها ، كفاكهة الجنة كانت تدق باصابعها ايقاع غير منتظم فيما كان قلبي يدق طبول اللهفة والحنين .
هما فنجانين من القهوة ،والكثير من الدهشة
قلت : لماذا أنت حزينة يا غاليتي؟!.
توقفت عن ضرب أصابعها ورفعت رأسها لتلتقي عيوننا من جديد
قالت : هل يعني سؤالك هذا انك سعيد؟!

قلت : ما زلت تتابعين أوجاع الوطن في صحافة الوطن؟!
قالت : اليست أوجاع الوطن هي من جمعتنا؟!
ضحكت وقلت: أشعر دائما انني مدين لكل تلك الخيبات فقط لانها جمعتني بك وجعلتني اقرب .

هل تذكري يا غاليتي حين التقينا في المرة الأولى، كان حزنك أكثر إشراقا فقد منحك قداسة كاهن في معبد ، كنت استرق النظر إلى عينيك وانت تتحدثين عن زهر اللوز و عن سنابل القمح ثم اربكني حديثك عن شهداء الوطن.
هل تعلمي يا غاليتي أحببت كل الذين استشهدوا يومها ربما شاركتك بعض الدمع والوجع.

عندها عرفت انك امرأة تشبهين الوطن بكامل حضورة..
أحببتك واحببت الوطن في عينيك …

كنت أتساءل كيف لأمرأة جميلة مثلك تعبث مع صحافة الوطن وتشغل نفسها بكل هذه الأوجاع؟!

ضحكت وقالت مازحة: وهل ينقص ذلك من جمالي شيء؟!
ضحكنا معا ..
ضحكنا كثيرا ..
توقفت فجئة وباغتتني بسؤال ، قالت : هل ما زلت تحبني؟!
في الحقيقة جاء سؤالها مربكا فلا أعلم كم احتاج من الكلمات حتى أجيبها..
عم الصمت قليلا وكأنها تلحّ عليّ بالإجابة.
قلت : كان عليك يا غاليتي أن تعيدي ترتيب سؤالك على نحو آخر : هل ما زلت تحب الوطن؟
ابتسمت. مدت يدها وامسكت بيدي ، شعرت بحرارة جسدها تتدفق في شرايني..قلت يا غاليتي الم أقل لك انك أنت والوطن وجهان لحب واحد؟!.

عاد الصمت يخيم على المكان ، احتسينا قهوتنا اشعلت سيجارتي الرخيصة
ثم قلت: يا غاليتي كيف لي ان التقيك مرة أخرى
قالت دع القدر يرتب لنا مواعيدنا يا صديقي..

غادرت المكان فيما كان قلبي يركض خلفها
وبقي عطرها عالق في روحي من جديد…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*