الرئيسية » كتاب » قصة عشائرية حقيقية فيها عبرة

قصة عشائرية حقيقية فيها عبرة

ظاهر عمروبقلم ظاهر أحمد عمرو

أثناء زيارتي الأخيرة لأداء العمرة، قابلت صديقاً عزيزاً سعودياً في جدة، ودار الحديث بيننا عن إصلاح ذات البين والعشائرية وأمور اجتماعية أخرى.

وخلال تجاذب أطراف الحديث، حدثني أنه كان في أحد الأيام في صحبة والده لزيارة قريتهم في جنوب المملكة، وعند وصولهم إلى قرية قبل قريتهم حان وقت صلاة الظهر، فتوقفوا للصلاة في مسجد القرية، وهناك قابلهم أحدهم ودعاهم لطعام الغداء فاعتذروا بشدة، ولكنه أصر عليهم كثيرا بحجة أن الغداء جاهز، ومعدٌ لغيرهم، إذ أن إخوان الرجل وجماعته عنده وتسمى في هذه الحالة (اللمة) أي لم يكن الطعام خصيصا لهم.

ولدى موافقتهم فرح الجميع بوجودهم لأن والد صديقي شيخ عشائري معروف عندهم، واهتموا به جدا.

وبعد انتهاء الطعام استأذنوا للمغادرة، فاستغرب الحضور، ومن هنا تبدأ القصة..

فأهل هذه القرية كان لديهم ابن مقتول من قبل أحد الأشخاص من قرية أخرى، وتعدد الوسطاء لإصلاح ذات البين ولكنهم فشلوا في ذلك، والجميع في المنطقة يعرف القصة، ولكن لمكانة هذا الشيخ الجليل توقعوا أنه جاء خصيصا للتوسط واصلاح ذات البين.

لذلك عندما هم بالمغادرة أخبره أحدهم أنه كان يتوقع أن يتدخل للإصلاح، فأجابهم بقوله : والله أنا أتيت للغداء بناء على دعوتكم وبدون أي ترتيب لذلك، لأنني أعرف أن الموضوع عندكم منتهٍ، ولكن إذا رغبتم في ذلك فعلى العين الراس وأنا مستعد لذلك فورا.

فقالوا له : والله نحن نرغب بالصلح من أعماق قلوبنا، ولكن هناك شيء واحد يمنعنا من ذلك، وهو خشيتنا أن يأتي أحد الجهلة من قرية القاتل أو سواها في يوم من الأيام ويعايرنا بأننا لم نأخذ بثارنا، وفي هذا الفعل ما يتعارض مع النهج القرآني في قوله تعالى : (ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب).

فقال لهم الشيخ أبوعلي : أنا أكفل ذلك، عندها وافقوا فوراً على الصلح.

فقاما مسرعين ليصلوا إلى مسجد قرية القاتل قبل صلاة العصر ودعا الإمام بأن الصلاة جامعة، وأمام كل الحضور أذيع الخبر بالموافقة على الصلح ولكن بشرطين،
شرط وضعه أهل المتوفى
وشرط وضعه الشيخ أبو علي.

أما الشرط الأول فهو أن لا يتلفظ أي أحد وفي أي وقت جهلا بمعايرتهم أنهم لم يأخذوا ثأرهم.

وأما الشرط الثاني الذي وضعه الشيخ الجليل أبو علي فهو أن يجلوا ويرحلوا عن المنطقة.

فاستجابوا جميعا وقاموا بشلح العقل والغتر عن روؤسهم وبدؤوا يكبرون من شدة الفرح، ووافقوا فورا على الشرطين.

وفي اليوم التالي قام شيخهم بجمع كل أهل القرية وفيهم أكثر من ستين مسلحا وأقسم بالله العظيم أنه إذا سمع أن أحداً تلفظ بما يسيء إلى أهل القتيل في أي يوم من الأيام، فإن هولاء المسلحين سيقومون بقتله فوراً.

وأما الشرط الثاني فطُبق فورا وجلوا عن المنطقة.

وبعد فترة قام شيخ قرية القاتل وأبناؤه و زوجاتهم ووالديه بأداء العمرة، وأثناء ما كانوا في الطواف محرمين، إذا بابن المقتول وزوجته في الحرم، ولمجرد رؤيتهم قام الشيخ بنزع رداء الإحرام وطلب من أهله إيقاف العمرة والخروج من الحرم إحتراما للعهد والوعد الذي قطعوه، فما كان من صاحب الدم، وهو ابن المقتول، إلا أن رفض ذلك، وأقسم عليهم أن يكملوا عمرتهم، وأن يرجعوا إلى قريتهم.

فأجابوه أنهم سينفذون قسمه الأول وهو إتمام العمرة.

أما الثاني فلن ينفذوه كونهم لم يقطعوا الوعد بتنفيذ الشرط له احتراما وتقديرا للشيخ أبوعلي صاحب الشرط.

فاتصل به ولي الدم وطلب من الشيخ العفو، فأجابه استجابة لرغبة ودحراً للشيطان وكل جاهل.

عندها قام ولي الدم بعمل وليمة لهم جميعا، عادوا بعدها إلى قريتهم، وأصبحوا أهلاً متاحبين بعد هذا العفوا والصفح مكتمل الأركان.

وهنا يحضرني قول الله سبحانه و تعالى : (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

حيث نرى كم هي راحة النفس و راحة البال للشخص عندما يعفو وهو قادر.

وأخيراً هذه هي عاداتنا وتقالدينا وثقافتنا وحضارتنا النابعة من هذا الدين العظيم.

وصدق سيد المرسلين حيث قال : “إنما بُعثت لأتتم مكارم الأخلاق”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*