الرئيسية » كتاب » منعطف حاد

منعطف حاد

نايف النوايسه

نايف النوايسة

ليس صندوقاً يُمكن وصفه..

وليست غرفة يسهل تحديد أبعادها ووصف معالمها..

ولا طريقاً أعرف خفاياها..

في كل حين يتشكل على هيئة، فتتسع عليّ وتضيق وأنا أُحاول الخلاص.. وكلما سنحت لي فرصة أجد نفسي مشتبكاً مع الزوايا والمنعطفات..

في لحظة مواتية ضربت رأسي في شيء ما ظننته باباً؛ فانقذفت منه هارباً..

أمسكت بي زوجتي وأجلستني على حافة السرير وأنا أتملص منها.. هدأت من روعي وضمدت لي جرحاً نتج لي من ارتطامي بزاوية السرير..

قالت لي: كنت تُناطح السرير كالكبش وأنت تُصدر أصواتاً مخيفة..

كنتُ مُطأطئ الرأس وأنا أسترجع ما جرى.. واكتفيت بالقول: كابوس مرعب..

***

ما زالت العتمة تحشره في قاع الصمت.. حاول ملاطفة نقسه المُستفزَّة فلم يُفلح.

ألقى على وجهه مسحة من الرضى كي ينتهي من ملاحقة عيني زوجته.. بقي مستيقظاً حتى الفجر.. انسلّ من سريره حين رأى أول شعاع من الشمس اخترق نافذة الغرفة.

بدأ يرتدي ملابسه ويتأنق وهو غارق في دوامة يخوض فيها بين كابوس رهيب ونهار يخلو من الحياة.. ربما تكون هذه حالة من ينوي سفراً بعيداً.. لكنه في هذه المرة أشدّ انقباضاً..

رشّ على ملابسه قليلاً من العطر فانجذبت إليه زوجته.. داهمه صوتها من قاع الصمت.. بسماتها أيقظت فيه حيوية تائهة.. التفت صوبها وابتسم.. لم يتكلم.. كان غارقاً في عوالم تشدّه خارج الوعي.

***

غادر مصطفى هلال البيت الى الحافلة التي ستُقلّه مع بعض رفاقه إلى المطار للمشاركة في أسبوع ثقافي في دولة مجاورة.. أخذ مكانه في الحافلة.. كان ضائعاً ويُكره نفسه على الالتحام بالجو الحميم مع رفاقه.. الصمت يبسط ظله على وجهه.. بدا يائساً منهاراً ولولا رشّة العطر وقليل من الابتسام لأُعلن بأنه لم يأتِ.

***

بدأت الرؤوس أمامه تنوس كذبالة مصباح انتهى زيته.. داهمته نسمات حائمة.. قال في نفسه: يا تُرى ماذا يدور في رؤوس هؤلاء؟

صناديق مقفلة مغطاة بالشعر.. ضحك من هذا الخاطر الذي عرض له.. وألحّ: وبماذا يفكر أصحابها؟ وما هي أحلامهم؟

وأنا؟ ما الذي أصابني حتى بتُّ لا أجد رغبة في مدّ نظري خارج الحافلة؟! كل شيء أراه مغلقاً أمامي..

ارتعاشات الحافلة توقظ البعض فيعودون للحديث.. هو وحده الذي كان يواصل إغماض عينيه ليقطع على الرفاق شهوتهم في جرّه للحديث.

لكن إلى متى؟

***

تتوقف الحافلة عند مقص للشرطة.. صعد شرطي وتفرّس بالوجوه دون أن يطلب بطاقات ثبوتية.. نزل بعد أن عرف طبيعة الرحلة.. هنيهات وتتابع مقصات الشرطة إلى أن وصلت منعطفاً حاداً أفضى إلى بوابة المطار..

***

ترجّل الجميع ومعهم حقائبهم وتوجهوا نحو صالة الانتظار.. بدأت عملية ختم الجوازات واجراءات الصعود إلى الطائرة.. راح مصطفى يراقب الداخلين والخارجين من الصالة كي يخرج من دائرة الانقباض التي انشبت اظفارها في وعيه.. قلبه يخفق بشدة..

***

كانوا صفاً قبالة نافذة صغيرة حالت بينهم وبين رجل شرطة كان يختم الجوازات.. عينا مصطفى لا تبرحانه.. لو كان الامر بيده لعدل عن الرحلة وعاد الى منزله، هو متيقن تماماً أن ما وراء الأكمة لا يعلمه إلاّ الله.. حان دوره فتقدم إلى النافذة، وتفرّس الشرطي بوجهه.. هو أمر عادي وهذه طبيعة عملهم.. لم يخف.. نقّل الشرطي نظراته بين مصطفى والجواز عدة مرات ثم نادى زميلاً له ليأخذ مكانه وبلطف أومأ لمصطفى بأن يتبعه.. تنبّه رئيس الوفد للأمر فتبع الاثنين.. ابتسم له الشرطي وقال له بلطف: لو سمحت استرحْ بمكانك.. الأمر صادم للجميع.. لا أحد يدري ماذا يدور خلف الأبواب.

***

قلّب الضابط صفحات الجواز مرات عديدة، وخاطب مصطفى قائلاً: نتأسف منك يا سيدي، أنت مطلوب للمحكمة. قال مصطفى: لا أعلم بأنني عملت في حياتي شيئاً يجعلني مطلوباً.. دنا منه الضابط ومعه كشفٌ بالأسماء: ها هو اسمك يا سيدي ونحن لا نعلم مثلك ما حقيقة الأمر، وعلينا تسليمك اليوم للجهات المختصة..

وضع الشرطي القيد برسغي مصطفى مع اعتذار الضابط.

***

اقتيد مصطفى إلى سيارة الشرطة فلمحه رفاقه وأحاطوا به، كلهم بلسان واحد: ما الأمر؟ ردّ مصطفى وصوت خافت جداً: والله إني لا أعلم شيئاً.. توجه رئيس الوفد للضابط وسأله: ما الأمر يا سيدي؟ قال الضابط: زميلكم مطلوب للمحكمة ولا نعلم نحن السبب..

***

أقلعت الطائرة من المطار وغادرت سيارة الشرطة التي أقلّت مصطفى ساحة المطار.. صمت مُطبق خيّم على السيارة.. الشرطيان يراقبان مصطفى بحذر شديد.. كان ساكناً مثل سطح بركة لا يتسلل إليها الهواء مطلقاً.. بعد مسافة سأل: إلى أين ستأخذونني؟ وبعد صمت طويل قال الشرطي المسؤول: إلى المحكمة فوراً.. التزم مصطفى الصمت طوال المسافة.. سلّم أمره لله..

***

في نظارة المحكمة بضع متهمين.. كان مصطفى أظهرهم أناقة.. استلفت نظر الجميع، وكادوا يسألونه: من أنت؟! هو أدرك تقلقل هذا السؤال في عيونهم.. خالط نفسه خاطر غريب: ليت معه ورقة ليكتب عن هذه اللقطة التي قد لا تتكرر..

دبّت حركة مفاجئة عند باب النظارة.. اقترب شرطي من الباب وقال: مصطفى هلال استعدْ.. استعدّ جميع من كان في النظارة.. كرر الشرطي بلغة صارمة: فقط مصطفى هلال..

***

كانت العجوز تتهادى على عصاها.. قوّس ظهرها خريف العمر ورسمت السنين على وجهها تواقيع العناء.. دخلت مكتب القاضي فقام لها وأجلسها على كرسي بجواره، وطلب من الشرطي أن يستدعي ابنها، فنادى: مصطفى هلال.. تقدّم مصطفى وتبعه رجل آخر رثّ الثياب.. حاول الشرطي صدّه فقال له: أنا مصطفى هلال.. بدا الموقف غريباً.. دخل مصطفى هلال الأنيق ووقف أمام القاضي وانعطف انعطافة حادة جهة العجوز ولم تأبه به، رفع القاضي رأسه ليسأله، لكن جلبة عند الباب أسفرت عن دخول الرجل الآخر، فامتعض القاضي من تصرفه وطلب من الشرطي أن يُعيده إلى النظارة، لكن العجوز حسمت الأمر حين قامت وبدأت بضرب الرجل ضرباً مبرحاً.. تدخل القاضي قائلاً: ما الأمر يا خالة: لقد نذرت نذراً أن أضرب ابني العاق هذا أمامكم في المحكمة، ولا حاجة لي في الدينارين بقية النفقة.. وقبل أن تغادر سألها القاضي: هل تسقطين حقك عنه؟ قالت: نعم. قال القاضي: خذي ابنك معك وغادرا بسرعة.

***

التفت القاضي إلى مصطفى هلال الأنيق وابتسم له وطلب منه أن يجلس.. أدرك مصطفى أبعاد الدّوّامة التي عاشها طوال الساعات الماضية وبدأت نفسه تهدأ، في حين كان القاضي يُهدّئ من صعوبة الموقف ويتأسف له عن انتزاعه من بين رفاقه..

فرح مصطفى وهو يغادر المحكمة وراح يذرع شوارع المدينة وكأنه يراها لأول مرة إلى أن وصل بيته مشياً على الأقدام..

***

فوجئت به زوجته، وفتحت فمها لتسأل، فقال لها وهو يقهقه: مع فنجان قهوة سيطيب الحيث.

تعليق واحد

  1. كل الشكر والتقدير على جهودكم ونشركم قصتي(منعطف حاد)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*