الرئيسية » مبدعون » “فرح الفراشة” رواية العناصر المتنوعة المتغايرة

“فرح الفراشة” رواية العناصر المتنوعة المتغايرة

ccبقلم: محمد المشايخ

“فرح الفراشة بين جرزيم وعيبال” رواية عربية تغاير كل ما سبقها من روايات تقليدية، رواية لا تقوم على بداية وعقدة ونهاية، بل هي رواية الإمتاع والمؤانسة، والنقد السياسي والحمولة الفكرية الراقية، والجديد فيها أنها تتألف من كشكول يجمع كل لطيف وظريف وطريف ومدهش وجميل وساحر وغريب وضائع ومنسي في حياتنا المعاصرة وفي تراثنا أيضا.

إنها رواية واقعية بامتياز، ولكنها تطلق العنان للخيال المحلق، ليستحضر الروائي من خلالها الجن، وليدخل في باب المستحيلات والممنوعات والأساطير والخرافات، بل ويتوقف لدى فتح البخت وتفسير الأحلام، وحتى دعوات الأمهات يوردها، وقد جاء فيها: “روح إلهي العين ترقعك، وعلى الأرض تلطعك، وتفتتفك وما تجمعك، وتنادي وما حدا يسمعك، روح، إلهي توكل جنابك الفرشات، ويحاكموك عشر خوجات، ما يفهموا شو ما لك، وما يعرفوا جوابك من سؤالك، وما يلقوا إلك دوا، وتظلك تتوجع وما يسمع صوتك غير الهوا! إلهي يخطفك عزرائيل، ويكبسك في البرميل، ويحطوك في جورة أولها شبر وآخرها شبر، وتظلك بعد يوم القيامة في القبر، مع حية بسبع روس، ونار زرقا أحمى من نار المجوس”.

ورغم أن ثلاثة أرباع ما في الرواية من أحداث ترتبط بشخصية وسيرة مبدعها الدكتور محمد حسين السماعنة، إلا أن ثقافته الموسوعية، ومطالعته لأجمل ما في تراثنا، جعلته ينسى نفسه، ويتقمّص شخصية بديع الزمان الهمذاني في مقاماته، ويقول ما لم يقله، ومن ذلك قوله: “الباص الذي حملني من الزرقاء إلى عمان، ومشى على صوت: اقصد، قضى يوما أو نصف يوم في الطريق، حتى إنني دفعت للكنترول الأجرة مرتين؛ فقد غفوت وصحوت، ثم غفوت ثم صحوت على صوته وهو يلم الأجرة في ماركا، فدفعت مرة أخرى”.

د.السماعنة، الذي مزج في روايته بين اللعب والجد، وبين أدب الكبار وأدب الأطفال، وبين اللغة العربية الفصيحة واللهجة العامية، بين الأدب الساخر والرواية السيكولوجية، بين النص الأدبي والتراث الشعبي بكل ما فيه من أغان وزغاريد وأمثال وحكم وحكايات، الدكتور السماعنة نفسه، ألف روايته من عناصر متنوعة متغايرة، ومنها قصة داخل قصة، وحكاية داخل حكاية، الأمر الذي يذكرنا بروايات ومسرحيات إميل حبيبي، وألف ليلة وليلة، مع التأكيد على أن السماعنة لم يقتبس منهما أو يتأثر فيهما، ولكنه شاركهما في محاولات التغيير والتجديد عبر إدخال مواد تراثية قد تبدو غريبة على السرد الروائي التقليدي، وجعلها عناصر أساسية، ولكنها ممزوجة بتعليقات جانبية، تفصيلات ثانوية، واستخلاصات للعبر والتجارب، قدمها للقراء على طبق من أدب ملتزم بأرق الجماهير، وأفراح وأتراح القاعدة الشعبية.

والسماعنة الذي يدرك أن أمتنا بحاجة إلى منقذ، يستعرض قدراته اللغوية والبلاغية والسياسية في هذا النص الذي أقتطعه من روايته وقد حمل عنوان (المنقذ): “صحوت قبل عامين ونصف، على عبارات التمجيد والثناء والمدح والدعاء، وصارت طريقي، في قريتي الجبلية، المنسية فوق قمة جبل نابلس، مزنرة بالخضرة والمواويل، بين وجوه باسمة، وأيد ملوِّحة، وتسهيل وترحيب، وعبارات مزينة موزونة كثيرة، انتشرت على أعمدة الهاتف وأعمدة الكهرباء، وعلى جدران البيوت، وعلى بكس البندورة وبكس التين، وعلى ضمم البقدونس والملوخية، فظننت أن القوم جـُنّوا فسايرتهم وماشيتهم ووافقتهم، فصرت أرد الابتسامة بمثلها، والتلويحة بأحسن منها، حتى أعجبني هذا الواقع الجديد فركبته، ومن أذنيه شددته، ومن فمه أمسكته، وعلى صدري علقته، وكنت أقلّبه وأقوده إلى جهة أرغبها وجهة أرغب عنها، وأزيد من الابتسام، حتى استوت على التهليل لي الأقلام، ومضت الليالي والأيام، وأنا على فرش منضودة،وزرابي مبثوثة، وثيرة من التقديس والترصيص والتخليل والتخميس، تحملني وتطير بي العشيرة، وأيد مصفقة كثيرة صغيرة وكبيرة، حتى صدّقت نفسي، ورفعت بالأحلام رأسي، فصاروا ينادونني يا أيها المنقذ الملهم الهمام، ويا أيها الفارس المقدام، ويا أيها الحكيم الإمام صاحب الرأي السليم المنجي من الجحيم،فكانوا إن مرضت دجاجاتهم أتوني سائلين، وإن نشزت خيلهم أتوني مستفسرين، وإن ضجت قلوبهم أتوني مسرعين، وإن عوت كلابهم أتوني خائفين، فقد أعطوني الولاية عليهم في أمور حياتهم كلها، واستأذنوني في أمور معاشهم كلها في حلهم وترحالهم، وموتهم وحياتهم، ومأكلهم ومشربهم. فانقلبت حياتي من نعيم ليلكي باذخ، إلى جحيم صارخ، فوضعت بيني وبينهم حجابا وبابا، ودفاتر ومواعيد، واصطفوا والتفوا، وداروا وحاموا وتحاموا، فعينت لي نائبين؛ نائبا للدفاع ونائبا للهجوم، ونمت في قصر من الفالوذج والمناسف والزبيب والقطايف، يحفني البطيخ والشمام، والدجاج المشوي والحمام، والبط والإوز وأصحاب الأقلام، سدنة الأعلام والإعلام والخرفان والصبيان، وتنقلت بين لياليّ مستسهلا السير مرتاحا هانئا بين راحة وراحة، حتى جاء يوم ظهر في قريتي وحش مفترس أكل دجاجهم وأغنامهم، وكسر أحلامهم فنادوني .. فجمعت مخاتير القرى كلهم، ومعهم السدنة والكهنة والفلاسفة والبلاشفة، وناشدتهم بكل ما يحبون أن ينقذوني أنا البطل..وأن يشيروا علي كيف أفعل، وما أفعل بحالي وحالهم فقد حرت، وأخاف إن أنا كشفت واعترفت أن تموت قريتي “.

السماعنة، بطل الرواية منذ طفولته، وحتى دخوله الجامعة الأردنية من تحت قبابها البيضاء، وتأمله شبابها وصباياها في الكفتيريا وفي المدرجات والقاعات، لم يكن يتوانى عن إشعار قارئه أنه السوبرمان، وصاحب القوى الخارقة التي تمكنه من الانتصار على سكان قرية بأكملها، بل وعلى جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين لم يُشعرهم يوما بضعفه أو خوفه، السماعنة نفسه، كان يعود إلى جذوره البشرية العادية في معظم الأحيان، ولا يتوانى رغم شجاعته وبسالته وما يتمتع به من حيل وفنون، عن إلحاق الأذى بنفسه وبأدوات منزله، وبكل ما على أرض قريته بيت إيبا، والجبل الأبيض في الزرقاء فيما بعد، من أجل إضحاك قارئه وإسعاده، فكم من مرة طرق أبواب القرية في منتصف الليل وهرب، وكم من مرة لدغته خلايا النحل والدباير، وصعقته الكهرباء، ودخلت إلى عبه الأفعى، وتدحرجت به العجلات والسكوترات، السماعنة الذي تحدى المخاتير والوجهاء، والرجال والنساء، كان يقوم بما يشعر القارئ أنه شخصية سلبية وإن كانت محور الوقائع والأحداث، باعثة الضجة في المكان، والقلق في الزمان، كان السماعنة يسعى من خلال توسيع دائرة الحكايات التي يجمع بينها ما يسمى بالسرد العنقودي، وإيراد تعليقاته عليها، وإغراقها بفيض من الحكايات الموازية والأغاني والزغاريد والأمثال، إلى إعادة المتلقي إلى أصل الحكاية، المتمثل في التراجيديا الفلسطينية، وصراع البقاء الذي يخوضه الفلسطينيون على أرضهم بخاصة، وتحقيق أمل العودة إليها لمن غادروها، بجرأة لم يمتلكها ربما المؤرخون الذين يكتبون فقط عن الأزمنة التي تسبق أزمنتهم، أما السماعنة فيقول في روايته عن حاضرنا: “لعل أم شديد لم تنم منذ أخبرها أبوشديد عن عزم ترامب إلغاء حقها بالعودة لقريتها الطنطورة، وأنه أعطى القدس لليهود”.

السماعنة ابن واقعه، حلّق ودخل في الأوهام كثيرا، ولكنه ظل ابن بيئته، التي لم تكن تخلو من الغرائب التي تمرّ على كثيرين دون أن تلفت انتباههم، ولكنها كانت تستوقفه باعتباره الروائي والشاعر المبدع، الحسّاس، فحفظها ودوّنها في موقعها الملائم داخل الرواية، ومنها قولهم السلبي:

يلعن أبو المدارس.. غلّن مهر العرايس

يلعن ابو الجامعات.. غلن مهر الطالبات

ويا ثعلب ويا مكار.. وايش دلّك ع باب الدار

ومنها تلك الأغاني المسجوعة، التي تشنف آذان الصغار والكبار، وإن كانت تخلو من المضامين الجادة، فقد كان للسماعنة الفضل في تخليدها في روايته التي تشغل الحكايات الشعبية حيزا كبيرا فيها، على غرار: “بيبوح يا بيبوح، قلب العرب مجروح، أمو وراه بتنوح، بتقول يا ولدي، يا صاحب الزندي، جبلي معك بقرة، بقرة حلابه، تحلب وتسقيني، والرب يعطيني، يعطيني طير اخضر، يمشي ويتمختر..”؟.

ومن مدرسة البنات، أحضر لنا السماعنة قول الطالبات: “أجا البابور البابور، أجا خالي من اسطنبول، حاكاني حكي تركي خلى عويناتي تبكي، أكْل الحصرم يا عيوني، شو ما أكلتو طعموني؟ أكلنا كنافة مئلوبة انشالله تطلع محروأة”.

ومن الأمثال أورد السماعنة في روايته: “المره لوطلعت للمريخ.. آخرتها للطبيخ”، “إمش في جنازة ولا تمش في جوازة”،”إرضينا في الهم والهم مش راضي فينا”.

تخللت رواية السماعنة العديد من العناوين الفرعية، التي كان الواحد منها يفضي إلى لآخر، بشكل يضفي بنية مقطعية عليها، دون أن تنفصل المقاطع عن بعضها، بل تتسلسل وتتواءم مع الحكايات، ومع شخصية بطلها في طفولته العجائبية وغريبة الأطوار، لتخفي لعبة التهجين التي كان يمارسها بين حكاياته، ومن تلك العناوين: المتسائل، المستذنب، المستحمر، المتقاعد، المتخبط، المغني، المتسحسل، المتنمّر، المدخن، المتفلسف، المتسلق، المجاكر.

أماطت شخصية بطل رواية السماعنة، وهو نفسه، وفي أثناء انتقاله من الخاص إلى العام، اللثام عن تجربة شعبه وأمته، وكوّنت شبكة سردية واضحة عكست الكوميديا السوداء التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.

قلت لمن سألني عن رأيي في هذه الرواية، إنها رواية عظيمة، لم آخذ عليها إلا إيراد الروائي مقطعا من أغنية شعبية جاء فيها: حط امك في الطنجرة.. واطبخ عليها إمجدرة

فقال لي، بل عليك أن تأخذ عليه عدم إكماله الأغنية التي جاء فيها: حط امك في الصينية.. واطبخ عليها ملوخية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*