الرئيسية » كتاب » كيف نحمي الشركات العائلية من الأنهيار, و تداعيات انهيارها

كيف نحمي الشركات العائلية من الأنهيار, و تداعيات انهيارها

محمود عبيدبقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد

منذ نشأة الأرض و اعتماد الأنسان على تبادل السلع و المقايضة و التجارة البدائية لتسيير حياته و الحصول على حاجته من المواد و السلع و كانت اسرار بعض المهن و الصناعات و الحرف و ما زال بعضها محصورا” بأناس معينين يقومون علىى توريثها الى اولادهم و الأجيال التابعة لهم و التي تأتي من بعدهم ضمن العائلة الواحدة. و كان و ما زال  العامل البشري يلعب دورا” كبيرا” في استمرار هذه المهن و تطورها من حيث رغبة الأبناء باتمام مسيرة الأباء و الأجداد و  العمل على تطويرها ام اعادة توجيه قدراتهم و مقدراتهم التي ورثوها نحو مهنة جديدة و البدء من الصفرو وأد مسيرة الأباء و الأجداد المهنية و تدمير ما تعبوا و قضوا الليالي من اجل بنائه.

لقد كانت الشركات العائلية منذ القدم هي الطريقة التقليدية للقيام بالمشاريع الخاصة في معظم دول العالم حتى اصبحت بعض العائلات تسمى باسم المهنة التي توارثوها عن ابائهم و اجدادهم و كان الأباء و الأجداد يكنوا باسم مهنتهم او صنعتهم. و لقد كان لهذه المؤسسات و المهن في مجملها دور لا احد يستطيع ان ينكره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية فكانت النواة الذي بدأ من خلالها عالم المال و الأعمال في العالم و الذي تطور مع مرور الأيام من خلال انشاء الشراكات و انضمام كفاءات مهنية و قدرات مالية من اجل تطوير هذه النواة و تنميتها و لكن هذا التطور انعكس في مجمله على الدول الغربية و المتقدمة في غالبيته. و لم يشمل هذا التطور غالبية الشركات العائلية القائمة في عالمنا القائم على القبلية و الجهوية و عدم الثقة بانشاء الشراكات خوفا” على سر المهنة ولعدم وجود الأنظمة و القوانين العادلة التي تحكم هذه الشراكات في وقت  ما زالت العائلة النووية و الممتدة هي من تحكم هذه الشركات في مجملها بعيدا” عن النظام المؤسساتي بحيث ما زال رب الأسرة هو من يتحكم بكافة مفاصل و مقدرات الشركة المادية و الأقتصادية و المهنية و اعمالها , اضافة الى سيطرته على وضع السياسات التي تقوم على التوجيه الأستراتيجي للشركة و التي تساهم بدرجه كبيره في دخل وثروه وأسم وشهره العائلة، فرب الأسرة او القائم و المؤسس لهذا العمل هو صاحب القرار الأوحد و النافذ على الجميع. فهذه الشركات في مجملها تفتقر للعمل الجماعي و المؤسساتي و الذي ان وجد يكون بين افراد الأسرة الواحدة فرب الأسرة هو رئيس مجلس الأدارة و الأبن او الأبنة نائب رئيس مجلس الأدارة و الحفيد هو رئيس الدائرة المالية و الحفيد الأخر هو رئيس دائرة التسويق و المبيعات و هكذا تسير الشركة بغض النظر عن الكفاءات و المؤهلات  الخاصة بافراد الأسرة و امكانياتهم من تسيير امور الشركة. حتى يصل بنا المطاف في بعض الأحيان الى تداخل قوي بين الشؤون العائلية و الشؤون المهنية وعدم وجود فصل بين الملكية والإدارة بخلاف الشركات المؤسساتية في العالم المتقدم . هذه الخاصية بدورها تؤدي الي تعرض الشركات العائلية لظروف قد تؤثر عليها وتجعل قرارات الإدارة الذين هم ايضاً الملاك لا تخضع كلياً لتحقيق الأهداف الأقتصادية و المهنية المرجوة منها.  في العالم الغربي الشركات العائلية تركز أكثر على الاستدامة طويله الأجل أكثر من تحقيق أرباح قصيره الأجل . معظم تلك الشركات تدار بهدف الحفاظ عليها وتنميتها وتسليمها للأبناء والأحفاد في وضع أفضل أكثر من تحقيق مكاسب كبيرة ببيعها.

بينما في عالمنا يختلف الحال كثيرا” في معظم الأحيان تكون الأفضلية في التعيين للموظفين بناء على العلاقات الشخصية أكثر من الكفاءة (أهل ثقه أولى من أهل الخبرة والمعرفة) . بل أن الأفضلية قد تمتد أيضاً في منح الترقيات والفرص المتاحة في الشركة لأفراد العائلة أو المقربين منهم

بحيث نجد أن الشركات العائلية قد تواجه صعوبات في جذب و الاحتفاظ بالموظفين خاصه ذوى الخبرة أو من هم في مناصب إدارية قياديه لعدة اسباب منها , أصحاب المشروع أو ذويهم عاده ما يتقلدوا المناصب القيادية , غالباً لا يكون هناك خطه للمسار الوظيفي, ضعف المقابل المادي من مرتبات ومزايا وظيفيه في بعض الأحيان بالمقارنة بالشركات الغير عائليه , تدخل أفراد العائلة في عمل الموظفين من ذوي الكفاءة والتفرد باتخاذ القرار, الصعوبة النسبية في الحصول على التمويل، حيث غالباً ما يكون أصحاب الشركات العائلية أقل قابليه لدخول مستثمرين خارجيين معهم في الشركة،يتصف أسلوب اتخاذ القرارات في الشركات العائلية بالفردية من مؤسس الشركة أو اصحابها, لا يوجد هيكل تنظيمي رسمي واضح ،عدم وجود دليل سياسات و إجراءات ، عدم وجود إدارة للمخاطر أو إدارة مراجعه داخليه, غالباً لا توجد خطة لإيجاد بديل أو خلف للرئيس / المؤسس حين تقاعده أو وفاته قد يؤدي الى انهيار الشركة او المؤسسة و هو ما يحصل في عالمنا فها نحن نرى الكثير من الشركات و المؤسسات العائلية تنهار في عالمنا بعد رحيل رأس الهرم و ذلك لأفتقادها للنظام المؤسساتي التي يحكمها و اختلاف و تصارع الورثة على ادارة الثروة و عدم تقديرهم لحجم الجهد و التعب الذي بذله من اسس العمل, المؤسسة او الشركة من اجل النهوض بها و جعلها من الشركات المعطاءة لأقتصاد الوطن و المجتمع.

نعلم جميعا” ان الشركات الخاصة لها خصوصيتها و كيانها و لكن علينا ان لا ننسى ان هذه الشركات هي جزء من الكيان الاقتصادي و الأستثماري لأي دولة و انهياره قد يؤدي الى اهتزاز هذا الأقتصاد اذا ما كانت الشركة من الشركات الكبيرة و هذا بسبب افتقاد عالمنا الى القوانين و الأنظمة الحاكمة للشركات العائلية و التي يجب ان تعمل على ديمومتها و استمرارها من خلال سن القوانين التي تحكم اداء الورثة في حال قراراتهم قد تؤدي الى انهيار الصرح الأقتصادي الذي ورثوه عن رأس الهرم و ذلك من اجل المحافظة على الأقتصاد الوطني قبل العائلة. فكم من عائلة تعتاش من هذه الشركات التي توظف الكثير من الأيدي العاملة و كم من المال استثمر من اجل قيام هذه المؤسسات لياتي الورثة غير مدركين للقيمة الحقيقية للأصول التي بين ايديهم ليفرطوا بمكتسبات الأباء و الأجداد من اجل متعة انية و انفاق الأموال التي افنى الكبار من عائلتهم جل عمرهم على تاسيسها و جنيها و ذلك للحفاظ عليها و اعادة استثمارها بما يتاتى بالفائدة على الجميع و على الوطن و الأقتصاد الوطني. ففي وقت تندمج به الشركات العائلية الكبرى في الغرب نجد انهيار العديد من الشركات العائلية التي كان لها اسماء رنانة و من الداعمين للأقتصاد الوطني على مر السنين فها نحن نرى الشركة العائلية الواحدة التي كانت تدار من شخص واحد و يملكها شخص افنى عمره من اجل بناء صرح اقتصادي معطاء للمجتمع و الوطن اصبح 5 او 6 شركات بعد وفاة رب الأسرة و المؤسس للشركة و لنجد الورثة دخلوا في سوق المنافسة عوضا” عن ان يكونوا يد واحد و يكبروا في العطاء و ان يعيدوا تشكيل الشركة بشكل مؤسساتي يحفظ للجميع حقوقهم و ليكونوا يد واحدة في وجه كل من يريد ان يحطم ما بناه ابائهم و اجدادهم. الأياء و الأجداد بنوا اسم و سمعة قيمتها السوقية تعادل الملايين يحطمها الورثة في لمح البصر لنجد الأسماء المهنية و التجارية الرنانة التي بنيت خلال عقود من العمل و الجهد المتواصل تنهار على صخرة الأنانية و حب الأستحواذ على كل شيء على حساب تدمير تعب و جهد ما تم بنائه.

ان الأختلاف في أسلوب العمل والرؤية الاستراتيجية بين الاجيال المختلفة في العائلة بين من يقود أو يدير الشركة ومن  سيخلفه، ادى في الكثير من الأحيان الى انقراض الكثير من الشركات التي كانت في فترة من الفترات تتحكم بمفاصل اقتصاد الدولة .

ان صعوبة الاتفاق على الشخص المناسب الذي سيخلف الرئيس أو المؤسس هو اهم اسباب الأنهيار للشركات العائلية, فغالباً ما تحدث مناقشات عده بخصوص هذا الموضوع قد تصل في بعض الأحيان الى مشاحنات. غالباً ما تتقبل أفراد العائلة قرارات المؤسس حينما يكون على رأس الشركة حتى وأن كانت تتعارض مع توقعاتهم إلا أن الشخص الذي يرأس الشركة ويخلف الرئيس المؤسس قد لا يتمتع بنفس الميزة مما قد يخلق تحديات أكثر للأجيال اللاحقة من أفراد العائلة الذين يديرون الشركة. قد تزداد مشكله اختيار الشخص المناسب من أفراد العائلة خصوصاً مع كبر حجم العائلة وتعدد الزوجات وتواجد عدة أبناء من عدة زوجات مما يخلق حساسيه أكثر في اختيار الشخص المناسب الذي سيخلف الرئيس المتقاعد .

لذا و حتى نضمن استمرارية الشركات العائلية يجب سن القوانين و الأنظمة الخاصة بهذه الشركات و التي تحفظ لها استمراريتها من خلال وجود مجلس عائلة يساعد جميع أفراد العائلة على التعامل بإسلوب مسؤول فيما يتعلق بشركتهم بدون دخول عوامل غير اقتصادية في القرارات . كذلك يجب تنظيم دور أفراد العائلة وتدخلهم في الإدارة هو إعداد ميثاق أو دستور للعائلة .إن وجود دستور للعائلة يساعد على تجنب الخلافات بين أفراد العائلة ومنع سوء التفاهم ،حيث أنه يوضح ادوار الأشخاص المتداخلين في الإدارة وغيرهم ممن ليس لهم حق في التدخل في الإدارة .تواجد دستور للعائلة مع مجلس العائلة المنتخب يضع توقعات الجيل الثاني والجيل الثالث من أفراد العائلة في إطاره الصحيح ويحكم تدخلهم في الإدارة ضمن معايير محدده مسبقا  تحدد الأهداف الاستراتيجية للعائلة فيما يتعلق بشركاتهم .اضافة الى سياسه التوظيف في الشركة لأفراد العائلة وسياسه أثابتهم وقواعد ترشيح أحد أفراد العائلة لمناصب قيادية, طريقه تداول أسهم الشركة بين أفراد العائلة و أساس التقييم طريقه فض أيه نزاعات بين أفراد العائلة .

ان الشركات العائلية لها تأثير إيجابي على الحياه الاقتصادية والاجتماعية للدولة و يجب ان تسن القولنين و الأنظمة التي تحكمها و تحكم استمرارها من اجل الحفاظ على اهم العوامل الأقتصادية بوطننا.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*