الرئيسية » منبر جلنار الحر » قراءة قانونيه تبطل قرار المحكمة الاداريه بشأن إضراب المعلمين

قراءة قانونيه تبطل قرار المحكمة الاداريه بشأن إضراب المعلمين

0c94a3f0f6b065873a1c71bee9819f57الأستاذ الدكتور المحامي ايمن يوسف الرفوع يكتب.

التعليق القانوني على قرار المحكمة الإدارية الصادر تدقيقاً في الطلب المستعجل رقم 20/ط/2019 ،والمتعلق بدعوى الإلغاء رقم 381/2019 بخصوص وقف تنفيذ قرار اضراب المعلمين.

الدكتور ايمن الرفوع – كلية الحقوق –جامعة الشرق الأوسط

بعد الإستماع والقراءة للعديد من الردود والتعليقات على هذا القرار والتي نحترم اصحابها وجدنا لزاما علينا التعليق على هذا القرار في مسائل غفل عنها الكثير ممن تحدثوا او ذكرت من البعض ولم تعلل او تسبب او تذكر اصلا.

اولا : نقابة المعلمين ذات شخصية اعتبارية مستقلة ماليا واداريا بموجب القانون الذي انشأ وجودها كشخصية معنوية.

اما بخصوص الجدل الدائر حول كونها من اشخاص القانون العام ، فقد كان هنالك عدم استقرار قضائي على ذلك لحين صدور قرار المحكمة الإدارية العليا التي استقر اجتهادها بخلاف السابق على ان النقابات المهنية في الأردن هي من اشخاص القانون العام وإن قراراتها النهائية قرارات ادارية قابلة للطعن امام المحكمة الإدارية- قرارها رقم 62/2017.

لكن قرار المحكمة لم يوضح صاحب الأحقية بالطعن فيما اذا كان يقتصر على منتسبي هذه النقابات ام للغير كذلك ؟

ولعل قرار المحكمة الإدارية بخصوص وقف تنفيذ الإضراب قد اجاب على ذلك بالإيجاب وهو أن الطعن بقرارات النقابات المهنية قابلة للطعن امامها من كل ذي مصلحة. الأمر الذي يطرح سؤالا يتعلق بطبيعة هذه المصلحة وأوصافها وهو ما سنتحدث عنه لاحقا في تعليقنا هذا .

ثانيا : يعد القرار الإداري هو محل دعوى الإلغاء ويتعين لقبول الدعوى ان يكون القرار قائماً ومنتجاً لأثاره عند اقامة الدعوى ، حيث تدور دعوى الإلغاء وجوداً وعدماً مع القرار الإداري فإذا انتفى القرار اضحت دعوى الإلغاء غير مقبولة شكلاً دون ان يتطرق القاضي الى بحث شروط قبول الدعوى الاخرى .

والقرار الإداري لما استقر عليه قضاؤنا الإداري وألزم نفسه في وصفه ومكوناته هو افصاح يصدر من جهة ادارية وفي الشكل الذي يحدده القانون عن ارادتها الحرة الملزمة بما لها من سلطة عامة بمقتضى القوانين والأنظمة وذلك بقصد احداث مركز قانوني متى كان ذلك ممكنا وجائزاً قانوناً ومستهدفاً تحقيق المصلحة العامة . والأثر القانوني هنا يقصد به ما يترتب على صدور القرار مباشرة وفي الحال وهذا الأثر هو انشاء حالة قانونية جديدة او تعدديل في مركز قائم او الغاؤه.

وترتيبا لما ذكرناه في البند ثانيا فإن القضاء الإداري لدينا قد الزم نفسه بضرورة ان يكون القرار الصادر اداريا بفحواه ومضمونه لكي يقبل الطعن امام محاكمه الإدارية ، وهذا معناه ان ليس كل قرار يصدر عن هيئة ادارية او عن احد اشخاص القانون العام يعد قرارا اداريا يختص القضاء الإداري بطلب الغائه اذ لا بد لتحقق وصف القرار الإداري ان يكون كذلك بحكم موضوعه وفحواه.

وعليه هل يعد قرار الإضراب الصادر عن مجلس نقابة المعلمين قرار اداريا يصلح ان يكون محلا لدعوى الإلغاء بهذا الوصف الذي اشترطه القضاء الاداري في الاردن ؟

بكل حيادية وموضوعية اقول : إن قرار الإضراب بالوصف الذي صدر به عن مجلس النقابة ليس قرارا اداريا بحسب مضمونه وفحواه طالما أنه ينصب في محله على مسألة من مسائل القانون الخاص وليس في مسألة من مسائل القانون العام ذلك أن القضاء الإداري لدينا هو كبل نفسه بهذا التصنيف داخل القرارات الإدارية . وقرار الإضراب الصادر بهذه الصفة عن مجلس النقابة كسلطة متجردة من قواعد السلطة العامة وفي اطار احكام القانون الخاص . وفي هذه الحالة تسري على هذا القرار القوانين والأحكام التي تطبق على اشخاص القانون الخاص ، كما يختص القضاء العادي بنظر المنازعات الناشئة عن هذه التصرفات ، لأنها لا تعتبر من قبيل المنازعات الإدارية التي يختص بها القضاء الإداري ممثلا بالمحكمة الإدارية . ذلك أن المنازعة لا تعتبر ادارية لمجرد أن احد طرفي النزاع جهة ادارية بل يتعين ان تكون طبيعة المنازعة ذاتها ادارية في ضوء السلطات والإختصاصات المخولة للجهة الإدارية بوصفها كذلك في القوانين والأنظمة المنظمة لها ، اما إن كان التصرف يدور في فلك وإطار القوانين العادية التي يخضع لها اشخاص القانون الخاص فلا يجوز أن توصف المنازعة الناشئة عن هذا التصرف بأنها منازعة ادارية وإنما تعتبر منازعة مدنية ولو كان احد طرفيها جهة ادارية او احد اشخاص القانون العام.

لذا كان يتوجب على المحكمة الإدارية مع التقدير رد دعوى الإلغاء شكلاً لعدم الإختصاص فبل نظر الطلب المستعجل الذي يتوقف قبوله على دعوى داخلة في اختصاصها .

ولسبب آخر كذلك كان على المحكمة الإدارية الموقرة رد الدعوى شكلاً لعدم الإختصاص كون قرار الإضراب لم يحدث اثراً قانونياً حالاً ومباشرا في المركز القانوني للطلبة وليس اثرا ماديا او تنفيذيا، والمقصود بالأثر القانوني هنا الأثر الذي يترتب عليه تغيير في المراكز القانونية لمن يخاطبهم او تعديل او الغاء لهذه المراكز فإذا لم يتضمن هذا الأثر القانوني لم تكتمل عناصر القرار الإداري .

فقرار الإضراب ابتداءاً خاطب المعلمين بشكل مباشر ولم يغيير اويلغي مراكزهم القانونية ولم يمحو عنهم الصفة الوظيفية – صفة المعلم- كون الإضراب اجراء مؤقت لا يرتب اي حقوق ولا يمحو اي التزام . ولما كان الإضراب ينال من حق الطلبة في التعليم الا أنه لم يحدث ايضاً اثراً قانونياً في مراكزهم بحيث بقي لهم صفة الطالب وهذا دليل ان الأثر الذي لحق بحق الطلبة لا بمراكزهم القانونية اثر مادي لا قانوني.

ثالثاً : كان على المحكمة الإدارية مع التقدير عدم قبول الدعوى شكلاً لإنعدام المصلحة الشخصية المباشرة في هذه الدعوى بالذات حيث نص قانون القضاء الإداري رقم 27 لسنة 2014 على ذلك في المادة 5/ وشرط المصلحة الشخصية المباشرة هو من شروط صحة اجراءات الخصومة وهو شرط لقبول دعوى الإلغاء امام المحكمة الإدارية وهذه المصلحة لها ذاتيتها الخاصة في نطاق الإلغاء وهي تتفرد عن المصلحة التي ترفع بها باقي الدعاوى.

وما يؤكد رأيي ان المصلحة الشخصية المباشرة والمشروعة يجب أن تكون مستمدة من المركز القانوني الذي يبديه المستدعي لأنها تؤثر مباشرة في مركزه. ولقد تحدثنا في البند الذي سبق ان قرار الإضراب لم يؤثر في المراكز القانونية بشكل مباشر بل كان الأثر ماديا فقط. وعليه فكان يتوجب عدم قبول هذه الدعوى لأنها مرفوعة من افراد –المستدعيان – ليست لهما مصلحة شخصية في الغاء القرار مهما كانت صلتهما بذي المصلحة لأن الشخص لا يملك التقاضي إلا في شأن نفسه .لأنه من المقرر ان من شروط قبول الدعوى في طلب إلغاء القرار المطعون فيه بأن يكون في حالة قانونية خاصة ويكون من شأنه ان يؤثر فيه تأثيرا مباشرا وإلا غدت الدعوى غير مقبوله شكلا . لذا كان يجب على المحكمة التحقق من توافر شرط المصلحة الشخصية للخصوم كونه امر جوهري في انعقاد الخصومة وتتصل بالنظام العام للتقاضي وبصفة خاصة بالنسبة لدعوى الإلغاء .

ولا بد من الإشارة هنا ان شرط المصلحة يجب توافره لقبول اي دفع او طلب او اجراء وفي اي مرحلة من مراحل الخصومة ، وعليه فإن الفصل في شرط المصلحة لقبول الطلب المستعجل لوقف تنفيذ قرار الإضراب يأتي في المقام الأول وقبل التطرق الى اركان طلب وقف التنفيذ —وهذا ما لم تفصل به المحكمة الإدارية – مع الأسف –

لذا ارى ان قرار الإضراب لا يمس حقا مباشرا للطاعنيين او يؤثر على المراكز القانونية لهما حيث انهما ليسا في حالة قانونية خاصة بل عامة مست مراكز مادية وعليه توجب رد الدعوى وكذلك الطلب المستعجل شكلا لإنعدام المصلحة الشخصية سواءا دفع بذلك ام لم يدفع .

رابعا : ان مخاصمة وزير التربية والتعليم بالإضافة لوظيفتة غير صحيحة كونه ليس صاحب صلاحية في اصدار القرار ولم يصدره نيابة عنه لذا وجب رد الدعوى بالنسبة له ايضا وهذا ما يؤكده قانون القضاء الإداري النافذ في مادته رقم 7 والتي تبين على من ترفع دعوى الإلغاء . وهذا يستدعي القول بأن وزير التربية والتعليم غير ملزم بتنفيذ قرار المحكمة كما يدعي على مواقع التواصل الإجتماعي ان صح ما قرأناه .

خامسا: بخصوص قرار المحكمة الإدارية في الطلب الذي اعتبرته مستعجلا وقضت بوقف تنفيذ الإضراب…نقول بكل حيادة خالصة :

1- لا يقضى بوقف تنفيذ القرار الإداري الا اذا تحقق ركنان : الأول ركن الإستعجال بأن يترتب على تنفيذ القرار نتائج يتعذر تداركها والثاني : ركن الجدية الذي يتصل بمبدأ المشروعية بأن يكون إدعاء الطالب في هذا الشأن قائما بعد التعمق بموضوع الدعوى كما هو مستقر عليه في مصر وفرنسا وليس كما كان سائد سابقا بحسب ظاهر الأوراق و على اسباب جدية يرجح معها الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه .وتوافر الركنين معا امر لازم للمحكمة حتى توقف تنفيذ القرار.

2- نرى ومن خلال مطالعة حكم هذه المحكمة والذي يكشف لنا الوضع الخاص الذي شغله ركن جدية الأسباب لديها من عدم التعمق في بحث ركن الجدية وأكتفت بحسب الظاهر من الأوراق وبدون مساس بالموضوع مما يشكل لدينا قناعة برجحان الغاء القرار المطلوب وقفه عند نظر طلب الإلغاء . وكان يجب على المحكمة ان لا تقضي بتوافر او عدم توافر ركن الجدية الا بناءا علي تمحيص الأسباب الموضوعية التي انبنى عليها القرار المطعون فيه وبعد ان تكون فرغت من تكوين رأيها حول كافة المسائل القانونية التي تحيط بالمسألة المعروضة بما لا يدع مجالا للشك في أنها سوف تثبت عند رأيها عند الفصل في الموضوع سيما وأن ركن الجدية يتصل بمبدأ المشروعية ، وهذا بطبيعة الحال ينعكس على قناعة المحكمة بعدم مشروعية الإضراب رغم دستورية حق التعبير وإجماع العالم على الإعتراف به ولكن بضوابط تكفل تنظيمه.

3- نرى ان حكم المحكمة الإدارية قد شابه القصور حيث استندت في حكمها بوقف تنفيذ قرار الإضراب استنادا الى ركن الإستعجال فقط دون الجدية مما يجعل حكمها حقيقا بالنقض من قبل المحكمة الإدارية العليا إذا طعن به مجلس نقابة المعلمين امامها . مع التأكيد على أن اثارة الطعن امام المحكمة الإدارية العليا لا يوقف حكم المحكمة الإدارية بالوقف المؤقت لتنفيذ القرار …مع ملاحظة ان مدة الطعن في القرارات المستعجلة 15 يوم من اليوم التالي لتبليغ القرار لصاحب الشان حسب المقتضى القانوني..والطعن في هكذا قرارات غير منهية للخصومة جاء استثناء بنص المادة 29 من قانون القضاء الإداري النافذ.

4- كان على المحكمة الإدارية لكل ما ذكرنا رد طلب وقف تنفيذ قرارالإضراب كون دعوى الإلغاء التي يرتبط بها ليست من اختصاصها .

سادسا : فيما يتعلق بتنفيذ قرار المحكمة الإدارية :

1- الغريب ان الحكومة الأردنية كلفت وزارة التربية والتعليم بتفيذ هذا القرار وجعلت من هذه الوزارة خصما رغم عدم صحة الخصومة كون وزارة التربية والتعليم لم تصدر قرار الإضراب وليس من صلاحياتها اصداره ولا حتى نيابة عن نقابة المعلمين وهذا امر مستهجن وخارج عن المنطق القانوني والواقعي ومخالف جملة وتفصيلا للقانون بمعناه الواسع .

2- الأصل في طالب وقف التنفيذ في حال امتناع الجهة مصدرة القرار عن التنفيذ اللجوء الى المرجع المختص قضائيا لرفع دعوى وملاحقة الممتنع جزائيا . اما ان تقوم وزارة التربية بهذا الدور نيابة عن خصمها في الطلب المستعجل وكذلك مباشرة دون اللجوء الى القضاء المختص فهذا يشكل مساسا صارخا بمبادئ التقاضي وتعد سافر على اختصاص السلطة القضائية يستوجب انعدام كل قراراتها بهذا الشأن ويوجب على من مسته هذه القرارات باللجوء الى المحكمة الإدارية للطعن بهذه القرارات المعدومة والتي في الأصل لا تحدث اي اثر قانوني حيث تعد من قفبيل الأعمال المادية مع العلم ان مدة الطعن فيها غير مقيدة بميعاد .

سابعا : إن إشكالات التنفيذ متوافرة في هذا القرار وهي اذا ما اثيرت امام المحكمة الإدارية فلا سبيل لهذه المحكمة نظر هذه الإشكالات كون القضاء الإداري لدينا نأى بنفسه عن نظرها وهي بهذا من اختصاص القضاء العادي إضافة لعدم وجود دوائر للتنفيذ تختص بتنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية .

كل ما تحدثت به في هذا التعليق يعبر عن وجهة نظري القانونية المستقاه من الأحكام المستقر عليها لدى من صنعوا القضاء الإداري وجعلوا منه حارسا لمبدأ المشروعية في كل دول العالم التي تؤمن بسيادة القانون وكان الحرص رفيقي للسير في طريق العدالة والإنصاف المجردة من اي مواربة او تحيز لأي جهة …بل كان التحيز للعدالة ولها فقط . وقد يعتري الخطأ قولي لكنني اخلصت قولي لله وحده دون سواه .

المحامي الدكتور ايمن يوسف الرفوع

استاذ مساعد في القانون الإداري

كلية الحقوق –جامعة الشرق الأوسط

1/10/2019

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*