الرئيسية » عربي ودولي » ضبابية ميزانية جمهورية السودان للعام 2020

ضبابية ميزانية جمهورية السودان للعام 2020

IMG-20200101-WA0010
بروفيسر عصام عبدالوهاب بوب
issamawmohamed@gmail.com

في حقيقة الأمر ما زالت تنتابني الحيرة بين الفينة و الأخرى مما نشر مؤخرا عن ما سمي اصطلاحا ب ميزانية 2020 و التي اجازها مجلس الوزراء مساء الأمس.
آلية الإجازة المزعومة:
يقال ان هذا نظام يسعي لتحقيق الديموقراطية وهذا يعني أن إجراءات تمس حياة المواطن ومعيشته مثل الميزانية لابد من إجازتها بواسطة هيئة تشريعية. وهذه الأخيرة لم يتم تشكيلها حتي الان وهذا يعني ايضا أن هذه الميزانية تمت اجازتها من أطراف غريبة عن الاقتصاد السوداني. و في حقيقة الأمر أنها بشكلها الحالي لا تختلف عن توصيات البنك الدولي ولو تمعنا في تفاصيلها سنجدها مطابقة لما هو موجود في اضابير البنك الدولي واكثر من هذا أنها سبق عرضها علي النظام السابق. لدي ملاحظة يدرك إجابتها الجميع … متي نجحت توصيات البنك الدولي في إصلاح اقتصاد اي بلد ؟!
نحن الان مطالبين بأموال ضخمة (ديون سابقة) لكني اوقن تماما باننا وقعنا في شرك الديون ، وهذا هو ما تسعي له هذه المؤسسات التمويلية الدولية. اكثر ما يدهشني هو ان الاعلان عن الميزانية واجازتها بدون ايرادات ولا حجم للصرف ولا تقدير للعجز ولا أهداف التصدير والاستيراد. هذه ميزانية عجيبة التي تعلن من خلال برنامج حاسوبي كله ألوان مزخرفة ولكنها بدون مصفوفة واحدة لمدخلات ولا مخرجات.
رفع الدعم :
المسئول يعلن عن ما يسمي برفع الدعم التدريجي المعلن للجازولين والبنزين أتساءل مباشرة عن حقيقة هذا الدعم وعن مساهمة الإنتاج الوطني وحجم العجز اذا كان هناك عجز حقيقي. وذلك يدفعني لسؤال هام يحير الجميع وهو ما هو حجم إنتاج السودان من البترول وهل يتم تصدير قسما منه؟ هذا أيضا يجر إلى سؤال مرادفا له وهو ما حجم إنتاج الذهب الحقيقي ولماذا يتم تصديره بدون تدابير ومخططات اقتصادية ؟ اعتقد انه من الضروري والأساسي معرفة حجم الموارد المتاحة قبل وضع اي ميزانية.
مع العلم ان رفع دعم تدريجيا او فوريا له اثرا مماثل بصورة تراكمية . بمعنى ان هذا تنميق عبارات ليس إلا يخفي في طياته حقيقة أن هذا هو تخفيض كبير لقيمة الجنيه السوداني (مزيد من التعويم) و بذلك تكون وزارة المالية قد اغتالت اكبر أسباب الاستقرار الاقتصادي economic stabilization ، و الذي يعاني منه السودان اصلا .
الإنعكاسات المترتبة على رفع الدعم
لابد من الحديث عن مدي انعكاسات هذه الاجراءات على الواقع المعيشي. قدم المسئول محفزات مثل مجانية التعليم والصحة. هذا أمرا ممتازا ويمسك حياة المواطن ولكني أسأل عن قدرة السلطة علي تنفيذه. كم مدرسة سيتم تأهيلها او بنائها وهل سيتم إنتاج وتوفير معينات التعليم والأجهزة التي تحتاجها المستشفيات؟ الهدف الصحيح هو إعادة تأهيل القطاع الصحي الحكومي وبصورة حقيقية وتوفير العقاقير وباقي المتطلبات وربما يكون ذلك هدفا أساسيا قابل للتحقيق كمرحلة اولي. بالنسبة للتعليم وإحساسه هو الأستاذ فهل ستوفر له الدولة ما يكفي للبقاء وليس الرفاهية.
الدولار الأمريكي أصبح مؤشر إقتصادي:
ما أتوقعه هو زيادة لسعر الدولار وقد أصبح المؤشر الاقتصادي الحقيقي الوحيد مع انه في بلده يعتبر وسيلة تداول و مؤشرات الإقتصاد تقاس من قبل بعض المؤسسات مثل داو جونز و ناسداك . بالاضافة لهذا التشوه الموجود اليوم يوجد غياب تام للشفافية سواء سابقا أو حاليا. واقول جازما ان السلطة لا يمكنها الاعتماد علي ما يدعي بأصدقاء السودان لان آرائهم يمكن أن تتغير سريعا تحت المؤثرات الدولية والأحوال الداخلية وهي كثيرة. حقيقة ان ما خرج بالامس ليس له علاقة بمطالب الشعب وليس هنالك اي رؤية واضحة في هذا الجانب. وهذا أمرا صار واضحى للمواطن الذي ضحي بكل ما يملك ولا يمكن سؤاله ان يضحي للقمة عيشه وهذا ما يعنيه مشروع هذه الميزانية.
برزت الي الصحف اخبار اجتماعات في امريكا وأوروبا والخرطوم وكلها تحمل توقعات عن دعما من المجتمع الدولي ومنهم ما يسمي اصدقاء السودان. أحس بالخجل من عجز المسئولين ان يدوروا علي عواصم العالم متسولين ونحن نعيش في وطن يوصف في كل المحافل الوطنية والخارجية بأنه وافر الموارد. وتقفز الي مخيلتي كلمة لعنة الموارد وما تورثها من عجز. واتذكر ورقة كتبتها قبل ٢٢ عاما عن ما أوردنا له العون الإنساني من متلازمة الاعتماد علي العون الغذائي الاجنبي Foreign Aid Dependency Syndrome. هي كلمة قبيحة ولا تليق بأمة عريقة تاريخها يحسب بآلاف السنين.
اذا كانت السلطة لا تعرف كيف تضع ما يخرج البلاد من هذه الهوة فلابد عليها ان ترحل لأننا في طريق كله كوارث ولكن لابد ان لا تحرمنا للانزلاق اكثر مما فعلت سابقتها من دمار لقدرة الشعب السوداني علي النهوض.
لا اعرف حقيقة مدي اقتناع القائمين علي السلطة وصحة امالهم حتي شهر ابريل بموعد مؤتمر المانحين وإذا ما كانوا سيمنحوا السودان ما يحتاجه. ولكني شخصيا لا اعتقد ان هذا يمكن أن يتحقق لأن هناك قواعد لهذ…
التحديات:
اهم التحديات الماثلة الان امام الموازنة اذا تم اجازتها هي وجود الدولة في تمويل والمساعدة علي رفع الإنتاج وتفعيل الأجهزة المختصة التي ظلت في حالة سبات لعقود وهذا ليس أمرا مستحيلا ولكنه يعتمد علي عامل الإدارة والخبرة.
الذهب أو كنز علي بابا:
وعلي ذكر التمويل ارى الذهب كمورد ايرادي ولكنه لا يحول الي خدمة الاقتصاد الوطني السوداني وإنما في مصلحة أفراد ولا اعني بهم المنقبين الاهليين لأنهم لا يجنون الكثير وربما يتم استقطاع حصة كبيرة من ما جنوا يعرف جبينهم وفي كثير من الاخوة حياتهم. لابد من وجود معادلة تعتمد علي سلطة حادية علي مصلحة الوطن والمواطن ولا اطلب الرفاهية وإنما مجرد القدرة علي البقاء في هذه الفترة العصيبة وهذا ليس مستحيلا اذا تم تحكيم مصلحة الوطن اولا ، ثم تم ضمان انسياب مخرجات الموارد الي المواطن وليس بتهديد المواطن برفع الدعم وتخفيض قيمة العملة ومضاعفة فقره وعجزه عن الإنتاج والحياة الكريمة.
من الاضطراب في سياسات التصرف في إنتاج الذهب بل والتعتيم الكامل علي إنتاجه والتصرف فيه افضي اولا الي مناخ من انعدام الثقة يبدأ من الشركات التي منحت تراخيص ويصل الي جهات حكومية محددة . و هذا يعطي سببا كبيرا في عدم الاستفادة من عوائده مما فاقم مشكلة التهريب حتي اصبحت أمرا عاديا. و مؤخرأ تم السماح لبعض الشركات لتصدير الذهب وهذا أمرا غير مقبولا لا من الناحية الاقتصادية و لا الإدارية. فهذا يمثل احتكارا غير مقبولا ويمتد للمزيد من التكهنات وانعدام الثقة بين المواطن والسلطة ، و في نظري انه يخون كل القواعد الإدارية والإقتصادية و يعنبر تعدي علي كل اللوائح المدنية. وقد سبق لي يوم ١٢ ابريل ان كتبت في الصحف ان استرداد الدولة لكل مواردها الوطنية وتكريسها لصالح الاقتصاد و رفاهية المواطن هو أحد شروط إحداث تغيير حقيقي في السودان وليس ان تتغير الوجوه ويستمر الأمر علي حاله. هذه خيانة لكل من واجه الرصاص بصدر مكشوف واستشهد في سبيل هذه الأمة وأول ما يجب فعله هو تحقيق ما كانوا يصبون إليه وهو بجانب الحرية والسلام و العدالة.
الحلول المقترحة:
لماذا لا نتحدث عن زيادة الانتاج والاتجاه نحو المشاريع المروية والمطرية ودعم المزارع السوداني. وماذا نقول عن توفير مدخلات الإنتاج ودعم قطاع الصادر بالإصلاحات ودعم المستثمر السوداني وحماية حقوقه في الإنتاج. الميزانية بمقترحاتها الحالية ربيعية وليست إنتاجية. ماذا نفعل في مبدأ تقليل الإنفاق الحكومي ولماذا تتأخر إجراءات الإصلاح وتسير بهذه السلحفاية. نتحدث دائما عن بلد كله موارد فلماذا لا تكون هناك حوافز إنتاج لكل من يساعد فيه.
هناك حلول أخري ولكنها لابد أن تنبع من داخل السودان
لا يمكن زيادة الانتاج في ظل الواقع إلا بتقليل القوانين التي تشجع على الإحتكار بالاضافة لتوفير موارد كافية لدعم الانتاج، ومن اهمها التمويل وإعفاء المدخلات الزراعية من كافة الضرائب وحماية حقوق المزارعين وارضهم من تغولات سبق أن حدثت وتوسيع مهام الإرشاد الزراعي . و ذلك بإمكانية حدوث اي توسع في الرقعة والانتاج الزراعي وهذا ينطبق علي باقي قطاعات الانتاج الحقيقي.
هذا الأمر يرتبط بوجود إدارة ذات خبرات واسعة بعيدة عن التغول السياسي وهو الأمر الذي أصبح معتادا في العهد السابق. لابد أيضا من احترام حقوق المزارع في ملكيته من حقول وإنتاج وليس ترويعه ومصادرة إنتاجه تحت أي ذريعة. الأمر معقدة وليس بسهولة الكلمات ويعتمد علي الخبرات المتراكمة وهي موجودة ولكن تم أبعادها في النظام السابق ولا يتم الالتفات لها في النظام الحالي.
أهم اعمدة الاقتصاد السوداني هي الخدمة المدنية المتميزة والسكك الحديدية والمشاريع المروية. مشروع الجزيرة هو اكبر هذه المشاريع وقد دمر ونهب بصورة ممنهجة طوال عقود ماضية. اليوم يمكن تطويره بصورة حديثة وأعلي كفاءة إنتاجية وأكبر ربحية للمواطن. هذا ممكنا ولكنه ايضا يحتاج للمعرفة والخبرة والإدارة.
نعم يمكن وضع خطط لاصلاحه واعادته لأفضل من سيرته الأولي وذلك تطورا مع التقنيات الحديثة وأساليب الإنتاج حتي يساهم في العملية الانتاجية للغذاء والمحاسبة النقدية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*