الرئيسية » فلسطين » صلاح التل: تحرير القدس الشرقية في حرب 1948 من أهم أحداث القرن العشرين

صلاح التل: تحرير القدس الشرقية في حرب 1948 من أهم أحداث القرن العشرين

IMG-20200106-WA0007
جلنار الإخباري – أسعد العزوني
وصف نجل القائد الأردني عبد الله التل الكابتن طيار صلاح التل تحرير القدس الشرقية في حرب عام 1948 على يد والده الراحل عبد الله التل ،بأنه من أهم أحداث القرن العشرين،موضحا أن إنتهاء الحرب الكونية الثانية أشعل إرهاصات حرب عام 1948.
وقال في حوار خاص أن والده إتبع تكتيكات ذكية قبل معركة القدس ،وخاض معركتين هما معركة “نيفي يعقوب”التي إستمرت لساعات،ومعركة “كفار عتصيون”التي كانت على مرحلتين،مضيفا أن مستعمر كفار عتسيون جهزت لإسناد العصابات اليهودية في معركة القدس،التي إنتهت بإستسلام قائد الحامية اليهودية رزنبيرغ ،وأسر جنوده وإرسالهم إلى معسكر في المفرق شرقا.
وإلى نص الحوار:
كنت قريبا من الوالد القائد عبد الله التل،هلا حدثتنا عن إرهاصات معركة القدس التي على قادها ؟
كان الوالد قبل تلك المعركة في دورة أركان حرب في صرفند،وحضر أحداث الحرب العالمية الثانية التي أشعلت نهايتها إرهاصات حرب فلسطين 1948،وكان الأردن وفلسطين تحت الإنتداب البريطاني ،وتم تعيين الوالد قائدا في حرس الحدود عام 1946 ،وكانت مهامه في الأردن وفلسطين،وبسبب تنقلاته الكثيرة تمكن من معرفة مواقع المستعمرات اليهودية ومواقع معسكرات الجيش البريطاني.
إستخدم الوالد تكتيكات ناجحة قبل خوض معركة القدس،وأولها معركة “نيفي يعقوب”عام 1947،وكان آنذاك يقود سرية في طريق عودته إلى الأردن،ووجد في طريقه سيارة متدهورة تقل خمسة فلسطينيين إثنان منهم إستشهدا بنيران العصابات اليهودية ،وثلاثة مصابون وهم في وضعية الدفاع عن النفس إثر تعرضهم لنيران مستعمرة نيفي يعقوب.
تدخل ضابط إنجليزي وإتفق مع الوالد على إخلاء الشهيدين والجرحى ،وإصطحبت السرية معها المصابين إلى الأردن للعلاج،وبعد وصوله إلى عمان ،بدأت الإستعدادات لمعركة نيفي يعقوب،وعاد إلى موقعه القريب من مستعمرة نيفي يعقوب بهدف إبادتها ردا على الإعتداء على السيارة الفلسطينية،وكانت معه مدفعية ومصفحتان ،ووقع إشتباك عنيف إنتهى بتدمير المستعمرة تماما وقتل 42 يهوديا مسلحين،وتعد هذه المعركة المقدمة الأولى لمعركة القدس 1948،ونجم عن تلك المعركة إرتفاع كبير في شعبية الوالد في كافة أرجاء فلسطين.
كيف أصبحت الأجواء بعد معركة نيفي يعقوب؟
كان الفلسطينيون ينظرون إلى القائد عبد الله التل كمنقذ فعلي لهم ،وعندما إشتكى عمدة الخليل الشيخ محمد علي الجعبري لكلوب باشا ،الذي كان قائدا للجيش الأردني من قرب مستعمرة كفار عتسيون من الخليل ،وقيامها بقطع الإتصال بين عمان والقدس،ولم يتخذ أي إجراء،لجأ الشيخ الجعبري إلى الوالد ،وكانت مستعمرة كفار عتسيون ضخمة ومجهزة لتكون محطة إسناد لمعركة القدس المقبلة ،وحولها أربع مستعمرات وفيها مطار عسكري وتسليح شديد وقوات يهودية مسلحة ومدربة جيدا،وكان اليهود يقدسونها لأن النبي داوود أقام فيها شهران قبل توجهه إلى القدس حسب رواياتهم.
حدثنا عن معركة كفار عتصيون وكيف بدأت؟
وقعت هذه المعركة على مرحلتين الأولى في 2 أيار 1948 والثانية في 5 أيار ،وكان القائد الإنجليزي كلوب باشا معارضا لها،فطلب القائد عبد الله التل من أحد ضباطه إفتعال إشتباك مسلح مع المستعمرة أثناء تواجد الوالد في مقر القيادة،وإرسال برقية إستغاثة،وعندما تسلم الوالد البرقية دخل على كلوب باشا وإستأذنه بالذهاب لإنقاذ القافلة الأردنية ،وعند وصوله إلى منطقة الهدف تمركز في قرية دير الشعار الفلسطينية بالقرب من مستعمرة كفار عتصيون ،ووقعت إشتباكات عنيفة،تعرف خلالها القائد التل على مراكز القوة والضعف في المستعمرة،وإستمرت المرحلة الأولى لساعات.
ومن خلال خريطة مفصلة للمستعمرة حصل عليها الوالد من الجيش البريطاني ، إستعد تماما للمعركة الحاسمة بعد ثلاثة أيام،وإتفق مرة أخرى مع الضابط الأردني حكمت مهيار على إفتعال إشتباك جديد مع المستعمرة وأن يرسل برقية إستغاثة أخرى لمقر القيادة،وعند إستلام كلوب باشا البرقية إتصل مع القائد عبد الله التل واخبره أن القافلة الأردنية تشتبك مع المستعمرة منذ عشر ساعات ،وطلب منه التوده إلى هناك لمعرفة مجريات الأمور.
تبسم الوالد فرحا لنجاح خطته وأمر رجاله بالإستعداد وتوجه معهم إلى المستعمرة ونشرهم حولها بشكل مدروس ووضع المدفعية والمصفحات في مواقع إستراتيجية،ومن ثم إتصل مع رجالات الخليل وطلب منهم إرسال أكبر عدد من الدواب والمواشي ،لتتقدم الجنود وتفتح حقول الألغام وتحمي جنوده من النيران.
بعد سبع ساعات من الإشتباك إرتفعت الرايات البيضاء في المستعمرة ،ودخلها الجيش الأردني وحررها بالكامل ،وكان عدد قتلاها 400 مسلح،مع أن بن غوريون قال إن عددهم 700 ،وإستسلم 343 مسلحا من بقية المستعمرات المحيطة بها ،وإستشهد من الجيش الأردني 24 وأصيب 30،وتعد هذه المعركة من أبرز وأعنف المعارك في الصراع العربي –الإسرائيلي،لأن المرحلة شهدت ضغوطات على العرب لقبول قرار التقسيم ،لكن المعركة حسمت الأمور برفضه.
هل لك ان تضعنا في أجواء مرحلة ما بعد إعلان بن غوروين إقامة الدولة العبرية في 15 أيار؟
بعد ذلك الإعلان دخلت عصابات الهاجاناة اليهودية وبأعداد كبيرة مدينة القدس لإطباق السيطرة عليها وإحتلالها بالكامل،وكان فيها مناضلون فلسطينيون وأعداد قليلة من جيش الإنقاذ ،وقد نفذ عتادهم بعد إشتباكات مع تلك العصابات وبدأوا بالإنهيار،فتوجه وفد من الشخصيات المقدسية لمقر الوالد بأريحا في الواحدة والنصف فجرا،وكانوا يصرخون بأن القدس على وشك السقوط.
قام الوالد بتهدئتهم وقدم لهم القهوة ،وطلب منهم التوجه إلى عمان لمقابلة الملك عبد الله الأول،ومن ثم إتصل بكبار رجالات القصر ومنهم الراحل هزاع المجالي،وأخبرهم بأن وفدا مقدسيا في طريقه إلى القصر لمقابلة الملك الذي إلتقاهم تمام الرابعة فجرا ،وإتصل مع القائد التل وأخبره انه قابل الوفد وأن الوضع في القدس لا يحتمل الإنتظار،وطلب منه التحرك الفوري لإنقاذها.
كان الوالد يتوقع هذه النتيجة ،وكان جنوده مستعدين للمواجهة ،ووصلوا بعد ساعة واحدة إلى أطراف القدس ،وبدأت المدفعية الأردنية بإطلاق النار ودك المواقع اليهودية،وأدرك المقدسيون ان الجيش الأردني وصل لنجدتهم وإنقاذهم،وعاد المناضلون إلى مواقعهم وإرتفعت معنويات المدينة المقدسة إلى السماء.
متى بدأت معركة القدس وما هي نتائجها؟
بدأت معركة القدس يوم 17 أيار وإستمر القتال 11 يوما،وكان عنيفا ،وفي يوم 28 أيار حضر حاخامان عجوزان وهما فون غارتن 85 عاما وروتنبيرغ 82 عاما إلى الخطوط الأمامية وقابلا النقيب الأردني محمد الموسى،وطلبا منه لقاء القائد عبد الله التل لعرض الإستسلام عليه ،لسمعته الإسلامية الطيبة وأنه لا يقتل الأسرى ولا ينكث بالعهود والمواثيق.
إصطحب الموسى الحاخامين إلى مقر القيادة في مدرسة الروضة بالقدس ،وعند لقائه بهما وجد أن الحاخام غارتن مصاب بدانة مدفع فأمر بعلاجه قبل ان يسمع منه،وبعد تلقيه العلاج اللازم قال بصوت هاديء ، أن قوات الهاجاناة طلبت منه عرض الإستسلام مع التل،وعند الموافقة سيعود إلى المواقع لتسليمهم الموافقة المبدئية،وبقي الحاخام غارتن في مقر القيادة لصعوبة حركته،وعاد روتنبيرغ بحراسة أردنية حتى لا يتم الإعتداء عليه.
خلال 15 دقيقة وصل قائد قوات الهاجاناة الجنرال موشيه روزنبيرغ وبرفقته 3 ضباط،وعند لقائه بالقائد التل قام بتسليم مسدسه له حسب المراسم العسكرية المعروفة،وعقد الضباط الأردنيون واليهود إجتماعا لمدة 3 ساعات ،لم يتنازل التل فيه عن شروطه التي وضعها وهي إلقاء السلاح وتسليمه للجيش الأردني وإعتبار كافة المسلحين اليهود أسرى حرب ،وتسليم جرحاهم المصابين بجروح خطيرة إلى الصليب الحمر ،وان يحتل الجيش الأردني القدس الشرقية بالكامل ومن ضمنها الحي اليهودي،وتم توقيع إتفاقية الإستسلام بحضور ممثل الأمم المتحدة الإيطالي السيد سكيراتي ومندوب الصليب الأحمر السويسري السيد جون كروفوزيه،ومن ثم أشرف القائد التل مع القائد اليهودي روزينبيرغ على عملية إستسلام الأسرى وترحيل اليهود إلى القدس الغربية وكان يوما مشهودا بدا وكأنه يوم الحشر،وبعد ذلك تم نقل الأسرى اليهود إلى معسكر بالمفرق شرق الأردن ،وأطلق سراحهم بعد 3 أشهر بإشراف موشيه دايان والقائد عبد الله التل وكروفوزيه وسكيراتي في المناطق المحايدة،وتعد عملية تحرير القدس الشرقية على يد الجيش الأردني من اهم الحداث العالمية في القرن العشرين.
وقال أول رئيس وزراء إسرائيلي وهو ديفيد بن غوريون ان اليهود لن ينسوا ضحاياهم في معركة كفار عتسيون ،كما أن الفلسطينيين لن ينسوا ضحاياهم في مجازر ديرياسين،كما قال حول القدس انه لو إمتلك كافة المدن الفلسطينية بدون القدس ،فلن يكون هناك شيء إسمه إسرائيل ،لكنه يستطيع إعلان الدولة العبرية بمدينة القدس فقط.
كيف إستقبل الأردنيون خبر مشاركة الجيش في حرب فلسطين 1948؟
شاهدنا حماسا منقطع النظير ،وأذكر أن تاجرا إسمه عبد الغني القحف أرسل لوالدي 2 من أبنائه الثلاثة وهما أحمد 20ى عاما وصباح 16 عاما ،وقال له إنهما تحت تصرفك في الحرب،وكان صباح حيويا ويعشق حرب المتفجرات والديناميت وكثير التنقل ،إلى ان أصيب برصاصة قناص يهودي قاتلة،وبقيت جثته ملقاة في الشارع مدة طويلة لعدم تمكن زملائه من الوصول إليها بسبب الحرب،وقامت المدفعية الأردنية بتدمير مواقع القناصة اليهود ،ومن ثم سحبوا الجثة مساء بالخطاطيف،وأرسلت إلى عمان،وعندما كشف أبوه عن وجهه تمتم بكلمات”إخص عليك سبقتنا”،وأرسل إبنه الثالث محمد 23 عاما إلى القدس حمله رسالة إلى القائد عبد الله التل قال فيها انه بدلا من صباح،وغحترم الوالد مشاعره ورفّع احمد إلى رتبة ملازم تكريما لهله ،ووضعه مع أخيه محمد في الصفوف الخلفية ليقوما بأعمال كتابية.
هل من قصص تروى في ذاكرتك عن معركة القدس؟
كان عمي الملازم محمود التل يتجول في إحدى قرى القدس الغربية حيث سقطت قذيفة يهودية على أحد الشوارع وقتلت أربعة منهم إمراة ،وسمع أنينا ،وعندما إقترب من الجثث وجد طفلا رضيعا يرضع من ثدي أمه المتوفية ،فأخذه إلى المعسكر ،وبعد عشرة أيام إصطحبه معه إلى بيته في إربد وأخبر زوجته أنه تبناه وأسموه جهاد،وتربى معهم وزوجوه وعينوه موظفا في مصفاة البترول وتوفي في العام 2015،وقد رفض العودة مع وفد فلسطيني ضم بعض أقاربه جاؤوا للمطالبة به ،وتغيب عن البيت أسبوعين تعبيرا عن رفضه اللقاء بهم.
كلام الصورة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*