الرئيسية » الرئيسية » شراكسة جرش بعيون الرحالة الغربيين

شراكسة جرش بعيون الرحالة الغربيين

ssa

صورة لجرش في بدايات القرن الماضي

جلنار جرش ـ بقلم مهند تحسين حؤبش

يعود تاريخ تأسيس مدينة جرش الى عهد الاسكندر الاكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، او ما يعرف بالعصر اليوناني، وكانت تسمى جراسا في تحريف لاسمها الكنعاني جرشو، ومعناه مكان كثيف الاشجار (1).

ثم خضعت جرش لحكم الرومان عام 63 قبل الميلاد بعد احتلالهم لبلاد الشام بقيادة القائد الروماني بومبي والذي استمر 400 سنة، حيث قام بومبي بتأسيس اتحاد المدن العشر المعروف باسم مدن الديكابوليس والذي كان يضم مدينة جرش، وهو اتحاد اقتصادي ثقافي ضم عشر مدن رومانية في شمال الاردن وفلسطين وجنوب سوريا لمواجهه دولة الانباط العربية جنوب الاردن (2). واصبحت جرش بعد ذلك بسبب موقعها على ملتقى طرق القوافل مركزا تجاريا وثقافيا مزدهرا، واصبحت من اهم مدن الاتحاد، وعاشت بعد ذلك عصرها الذهبي تحت حكم الرومان، وشكلت مثالا رائعا للتطور المدني الروماني في المنطقة العربية بسبب شوارعها المعبدة واعمدتها ومعابدها ومسارحها وميادينها، اضافة الى ما احتوته من قصور وحمامات ونوافير مياه واسوار وبوابات. وفي عام 635م دخلت جيوش الفتح الاسلامي الى جرش بقيادة شرحبيل بن حسنة في عهد الخليفة الاموي الثاني عمر بن الخطاب (3)، ثم استعادت المدينة ازدهارها في العصر الاموي ،واعاد العرب تسميتها بجرش تعريبا لاسمها السابق جراسا ،لكن العرب المسلمين لم يسكنوها بسب تمسكهم بتعاليم الاسلام وابتعادهم عن مدن الروم والفرس التي كانت تمثل لهم مظهرا من مظاهر التمسك بالدنيا وانتشار الفجور. وفي اعوام 717 و738 و747م تعرضت جرش الى سلسلة زلازل عنيفة دمرت اجزاء كبيرة من المدينة الرومانية وطمرتها تحت التراب (4)، ثم تأثرت بالحروب التي اجتاحت المنطقة ،مما اسهم في خرابها ودمارها ودخولها مرحلة النسيان لمرحلة امتدت نحو الف عام. وبعد ذلك بسنوات طويلة اصبحت بلاد الشام ومن ضمنها الاردن خاضعة للدولة العثمانية في مطلع القرن السادس عشر الميلادي حوالي عام 1516م حيث اهتم العثمانيون بجرش واسكنوا بها مجموعة من المهجرين الشراكسة عام 1878م الذين تم تهجيرهم قسرا من اوطانهم بشمال القوقاز الى اراضي الدولة العثمانية بعد حروب الشراكسة مع جيوش روسيا القيصرية دفاعا عن اوطانهم واراضيهم والتي استمرت اكثر من مائة عام. ويقول بيرجي pergi مؤرخ الامبراطورية الروسية ان اخراج الشراكسة من قفقاسيا كان تدبيرا اداريا وحربيا ابتدأ بقرار لجنة قفقاسيا في العاشر من اذار عام 1862م، ولتنفيذ هذا القرار اخذ الجيش الروسي يطارد الشراكسة من داخل وطنهم ويطردهم للتجمع على سواحل البحر الاسود، وهنا استيقظ الحماس الديني لدى السلطان عبدالحميد ففتح شواطئ بلاده في وجه اخوانه في الدين، حيث استمر الجيش الروسي يطاردهم حتى الجأهم الى ركوب اي مركب يتجه الى موانئ الدولة العثمانية .وفي عام 1877 وصلت عشائر القبرطاي والناتخوي والابزاخ والشابسوغ والاوبيخ الى سواحل واراضي بلاد الشام(5).

وبقيت جرش منسية بعد الخراب الكبير الذي حل بها الى ان اكتشفها الباحث الرحالة الالماني سيتزن عام 1806م ولفت انظار العالم اليها مجددا، حيث تعاقب على زيارتها بعد ذلك الكثير من الرحالة الغربيين (6). ولكن ما يهمنا هنا الرحالة الذين زاروها بعد استقرار الشراكسة بها عامي 1878-1879 م وبعد ذلك، حيث زراها في تلك الفترة عدد من الرحالة وكان اولهم السائح الانجليزي روبنسون ليس الذي زراها عام 1890م وكتب مشاهداته عنها في كتاب بعنوان الحياة وراء الاردن، ثم زارها جراي هل في نفس العام ،ثم السائحان وليم ليبي وفرانكلين هوسكن اللذين زاراها عام 1902م، ثم السائح الالماني كارل بديكر عام 1913م، ثم السيدة ستيورات اراسكين عام 1924، ثم العلامة التاريخي باربي روبرت صن، ثم لانكستر هاردينغ عام 1932م، وحول مشاهدات هؤلاء الرحالة الذين زاروا جرش بعد استقرار الشراكسة فيها وما كتبوه عنهم ووصفهم لأحوالهم وطرق معيشتهم، نستعرض ما كتبه اول رحالة غربي زارها عام 1890م وهو جراي هل وقال في كتابه ارض جلعاد :وفي عمان تعرفنا على الشراكسة ولاحظنا ان الناس ينظرون بإعجاب الى عرباتهم الخشبية الصغيرة ذات العجلات الصلبة التي تجرها الثيران، وعند عودتنا الى جرش لاحظنا الشراكسة هناك اخذوا على عاتقهم امر مرافقة السياح القلائل الذين كانوا يزورون منطقة جرش (7).

وفي نفس العام 1890م زار جرش ايضا الرحالة روبنسون ليس وكتب مشاهداته في كتاب بعنوان الحياة وراء الاردن، ومما قاله: عندما اقبلنا على جرش شاهدنا من عند قوس النصر المدينة الرومانية القديمة على احد جانبي الوادي تنمو فيها بكثرة اشجار الدفلى والاعشاب الطويلة الكثيفة، كما شاهدنا القرية الشركسية الجديدة على الجانب الاخر الشرقي، وقال: انه لاحظ ان الشراكسة تركوا منطقة الاثار القديمة وانشأوا قريتهم بعيدا عنها، بخلاف ما فعل شراكسة عمان، مضيفا ان جرش تضم حوالي الف نسمة من الشراكسة، ومدير الناحية الذي يحكمها (ويقصد بذلك المرحوم حميد بن نوح حؤبش كما سيتضح لنا من كتابات رحالة اخرين بنفس المعنى) رجل يقدر اهمية الاثار لأنه منع الناس من العبث بها (8).

اما الرحالة وليم ليبي وزميله هوسكين اللذين زارا جرش عام 1902م بعد اربع وعشرين عاما من استقرار الشراكسة في المدينة ، قالا عن مشاهداتهما “انحدرنا من سفوح جبل قفقفا الذي يرتفع 3300 قدم من سطح البحر باتجاه جرش التي كانت قرية شركسية ،وخيمنا بهدوء وامن قرب نبع الماء حيث الجدول يتدفق بروعة وعذوبة (9)، ويشير ليبي وهوسكين بذلك الى نبع القيروان المشهورة حتى هذه الايام والتي تعتبر المزود الرئيسي لمياه الشرب في مدينة جرش. واضاف الرحالتان: اصبحت جرش قبل نحو ثلاثين عاما قرية شركسية ،واثناء بحث الشراكسة عن الحجارة لبناء بيوتهم بعد استقرارهم فيها استخرجوا حجارة مكتوبا عليها نصوص باللاتينية واليونانية، ولكن لحسن الحظ والطالع انهم بنوها كأعتاب قناطر لبيوتهم، بحيث بقيت الحروف ظاهرة للعيان مما يُمكن علماء الاثار من قراءة نصوص جديدة كثيرة بخط واضح. وحول مشاهدات ليبي وهوسكين لأحوال شراكسة جرش وظروف معيشتهم قالا “لقد قام الشركس بتنظيف مساحات واسعة لغاية الزراعة بين ثنايا اطلال المدينة القديمة ،كما فتحوا طرقا ضيقة لعربات ثيرانهم حتى اذا ما صادفوا حجارة يصعب ازاحتها كانوا يلجؤون الى كسرها وتحطيمها لفتح الطريق، ولكنهم لم يبدؤون بتنقيب حجارة البنايات الاثرية الكبيرة بعد، وقد وجدنا مدير الشركس شخصا مثقفا ومتعلما “، ويقصدان بذلك ايضا المرحوم حميد بن نوح حؤبش كما سيتضح لاحقا. واضافا ان الشراكسة يعتبرون من احدث موجات الهجرة التي قدمت الى هذه المنطقة، واتخذت اماكن لاستيطانها على حافة الصحراء، بل انهم من اكثر الموجات الجديرة بالانتباه من بعض النواحي (10).

وبعد مرور عام واحد وفي عام 1903 قام الرحالة جودريش فراير بزيارة مناطق كثيرة في الاردن ومنها جرش، وبعد وصوله اليها قال حرفيا ” واخيرا بلغنا قرية جرش بعد غياب الشمس، فاتجهنا الى منزل مدير الناحية ، وكنا في قلق لا ندري كيف يكون استقبالنا، وعلى الرغم من هواجسنا فإننا بادرنا الى النزول في ساحة المنزل، وسرعان ما فتح الباب وادخلنا الى قاعة الضيوف وهي غرفة واسعة يمتد ديوان مع جدرانها وعليه وسائد. وشاهدنا في الغرفة عددا من الكراسي ومنضدة في الزاوية. وبلغت انباء وصولنا مسامع المدير ،فلم يلبث ان ظهر بضعة خدم، وفرشت ارض الغرفة بسجادة بديعة الصنع, وبعد قليل جاء المدير نفسه –عبد الحميد (حميد) بك بن نوح بك، فراينا رجلا جميل الخلقة يرتدي ملابس اوروبية فصافحنا ورحب بنا، وقد اهتم براحة السيدة التي كانت ترافقنا خصيصا ودهش لوجودها في هذه المناطق النائية ولكونها لم تكن زوجة لاحد الرجال الذين كانوا معها. ومن المعروف ان عبد الحميد (حميد)رجل ذكي واسع العقل ودود شفوق، وهو رجل ذو اهمية هنا، اذا يخضع لأمره عدد من رجال الدرك (الجندرمة) يتراوح بين ستين الى مائة وخمسين رجلا ,وعندما يذهب الى منازل قبيلة بني حسن الى الشرق من جرش لجمع الضرائب، فانه يصطحب معه عددا من الجنود النظاميين ،وهو يحل الكثير من القضايا اما المشكلات الكبيرة فترفع الى متصرف حوران.

وعندما وصل اتباع عبد الحميد (حميد) بك الى جرش اتخذ الجانب الشرقي من الوادي مكان اقامه له ولجماعته ولم ينزل بين الاثار في الجانب الغربي” وقال جودريش فرير “انه لم يعرف عدد سكان جرش بدقة ،مضيفا انه مثل عمان، لم يشاهد اي امرأة واحدة في شوارع قرية جرش(11). وفي عام 1913 زار جرش السائح الالماني بديكر وقال عن مشاهداته لجرش “كان الشركس يقومون باعمالهم الزراعية بكل هدوء واستقرار، ولم تلحق الحرب الكبرى 1914-1918 اي ضرر بها سوى ان الاتراك اخذوا نسبة من شبابها جنودا ولم تكتب العودة للكثيرين من هؤلاء. وقال “ان الشراكسة تركوا منطقة الاثار وانشأوا قريتهم بعيدا عنها، واشار الى ان جرش ضمت حوالي الف نسمة من الشراكسة في تلك الفترة. واوضح ان الشراكسة طوروا مناطق سكناهم حتى اصبحت مناطق جذب للسكان المجاورين ،ووصفهم بانهم يحبون العمل والصناعة وانهم يحافظون على تقاليدهم وارتداء ملابسهم القومية خاصة كبار السن منهم وانهم يتكلمون اللغة التركية نتيجة للظروف السابقة التي مروا بها، وانهم يتكلمون لغتهم القومية الخاصة بهم(12)

وفي ربيع عام 1924 قامت الرحالة السيدة ستيوارت اراسكين بزيارة جرش ضمن زيارتها لمنطقة شرق الاردن، وقالت انها قدمت لجرش بواسطة سيارة من صويلح مرورا بالبقعة حتى وصولها الى نهر الزرقاء .وقالت انه يتعين على المرء ان يترك السيارة ويركب الحصان في الجهة المقابلة للنهر. وعن مشاهداتها لمدينة جرش قالت “وصلنا جرش بعد ان سادت الظلمة والتقينا بالمدير (لم يُعرف اسمه بالتحديد رغم سؤال الكثيرين من كبار السن، لكن اغلبهم اجمعوا بان المقصود هو المرحوم شوكت باشا حميد حؤبش الذي كان اول رئيس لبلدية جرش عام 1910 ابان الحكم العثماني). واضافت ان المدير دعانا لنحل ضيوفا عليه، وبعد دخولنا منزله ،ادخلنا الى غرفة واسعة ذات اثاث جميل ونظيف ولم نلبث طويلا حتى جاء الحاكم الاداري للبلدة (كان وقتها محمد علي المغربي) (13)، وبعض الاعيان لزيارتنا، وبعد انتهاء الزيارة ،قالت اراسكين “انتقلت الى الجانب الاخر من المنزل حيث استقبلتني ربة البيت وكانت لطيفة جدا، ذات وجه حزين “واضافت الرحالة اراسكين: وقد امضيت مع هذه السيدة في غرفة نومها الليالي الثلاث التي امضيتها في جرش، وكان منزلها نظيفا الى اقصى حد” وحول وصفها لجرش قالت “كانت جرش خربة مهملة اكثر من الف سنة حتى عام 1878عندما سمح الاتراك لجماعة من الشراكسة الذين فروا من المظالم في روسيا بان يتخذوا منها دار اقامة لهم من اجل ان يعملوا في زراعة الارض.” واضافت ولان الشراكسة كانوا قوما مجدين نشيطين في اعمالهم فسرعان ما اتضح تأثيرهم على المنطقة، مضيفة ان الشراكسة ما زالوا يحتفظوا بطابعهم الاصلي بحيث يستطيع المرء بسهولة ان يميزهم عن السكان العرب، لان الوانهم اكثر بياضا واجسامهم اكثر امتلاء، ورجالهم يرتدون قبعات الفرو (القالبق) التي تختلف كثيرا عن كوفيات العرب البيضاء، مع ان الشراكسة يشبهون العرب في كرمهم”. وحول وصف الرحالة اراسكين التي زارت جرش عام 1924 للشراكسة وكرمهم وانطباعاتها عنهم قالت “لقد اسبغ على هؤلاء الناس حسن ضيافة لا حد لها ،وكان بمقدوري ان ابقى عندهم ما اشاء من الزمن على الرحب والسعة، وفي اثناء زيارتي كان الطعام الذي يقدم لي اكثر مما استطيع ان اتناول، وقد كلفت رفيقي الياس ان يسالهم اذا كنت استطيع ان اقدم لهم شيئا، وكان الجواب انهم لايريدون اي شيء. وحول طبيعة الطعام الذي قدمه لها الشراكسة الذين استضافوها قالت “وفي اثناء وجودنا في جرش اقام مضيفونا حفلة غذاء كبيرة على شرفنا دعي اليها الحاكم الاداري ووجهاء اخرون ،وفي اثناء تناول الطعام وضع في صحني من الاطايب كمية لم يكن بمقدوري ان اتناولها كلها، وكان الطعام يتألف من حساء وثلاثة انواع من اللحوم مع الارز واللبن.

وحول وصف الرحالة اراكسين لمضيفها قالت “في اليوم الاخير لزيارتنا جرش صدف حلول شهر رمضان، ولاحظنا ان مضيفنا قضى اليوم كله صائما، وامضى وقتا طويلا في تلاوة آيات من القران الذي كان موضوعا وسط الديوان فوق مكتب للقراءة، وفي مساء ذلك اليوم تناولنا طعام الافطار مع رجال الاسرة (14).

وفي عام 1929 زار مدينة جرش العالم الاثري ج وكراوفون الذي كان يشغل منصب مدير مدرسة الاثار البريطانية في القدس ،وكتب مقالة نادرة وصف فيها زيارته لمدينة جرش وقال “تقع خرابات جرش في الغرب من المدينة الحالية المسماة جرش، والتي هي مستعمرة شركسية استعمرت سنة تتويج السلطان عبدالحميد عام 1878″ وقال ان عدد سكان جرش في ذلك العام 1929 يبلغ خمسة الاف نسمة معظمهم مسلمون وغالبيتهم من الشراكسة، غير انه يوجد حوالي مئة نسمة من المسيحيين. وحول وصفه لأحوال جرش قال الدكتور الرحالة كراوفون” يوجد بجرش مركز حكومة ومناظرها جميلة، ومياهها عذبة وكثيرة الينابيع وذات ماء زلال وهي عظيمة بآثارها اليونانية والرومانية “وحول وصفه للحياة الاجتماعية لجرش، يقول كراوفون” يقطن المدينة الحاضرة قومان متباعدان في الجنس متقاربان في الدين، العرب والشركس الذين امتزجوا سوية نابذين الجنسية وراء ظهرهم متمسكين تمام التمسك بدينهم الاسلامي الحنيف”. ووصف كراوفون جرش وقتها، وقال: ان تربتها خصبة للغاية تزرع فيها الحبوب على اختلاف انواعها، وكذلك الخضروات والفواكة, ومن بين حاصلاتها القمح والشعير والفول والعدس والعنب والجوز. وقال ان الشراكسة في جرش يهتمون بتربية الابقار التي تستخدم في جر العربات والحراثة بدلا من الخيل (15).

وفي عام 1932 زار مدينة جرش لانكستر هاردينغ الذي شغل بعدها منصب مفتش الاثار في الاردن وامضى نحو عشرين عاما في هذا العمل، وسجل انطباعاته ومشاهداته خلال زيارته لجرش في مقالة نادرة له بعنوان “جرسة الذهبية” وبعد وصف مطول لأثارها القديمة يقول هادرينغ “انشأ الشراكسة قرية جرش الحديثة عام 1878 كلها على الجانب الشرقي، ومعظم سكانها من الشراكسة الذين انزلهم الاتراك في منطقة الاردن اواخر القرن التاسع عشر”. وحول وصفة لشراكسة جرش يقول “لا حاجة للقول بان اولئك السكان ماهرون في تصنيع الحجارة الكبيرة، ومنذ نهاية الحرب العالمية الاولى اخذ الشراكسة يعملون في مشاريع البناء الحكومية الرامية الى التجديد والبناء، وقال بان خدمات هؤلاء الاشخاص الصناع ثمينة للغاية (16).

الخاتمة :-
وفي المحصلة ومن خلال زيارات الرحالة الغربيين لمدينة جرش ومشاهداتهم لها وتطرقهم الى الشراكسة الذين استقروا بها بعد تهجيرهم وقيامهم ببنائها وتعميرها وتطويرها، حتى اصبحت منطقة جذب للسكان المجاورين للمنطقة ومن مناطق الاردن وفلسطين وسوريا، نستنتج من كل ذلك بان غالبية هؤلاء الرحالة اجمعوا على ان شراكسة جرش سكنوا بها بين عامي 1878-1879، ولعل ما يعزز ذلك الكتابة المنقوشة على الحجر التاريخي الموجود فوق المسجد الذي قام شراكسة جرش ببناءه خلال العام الاول الذي استقروا به بجرش او بعده بعام، والذي يطلق عليه ايضا المسجد الحميدي نسبة الى السلطان عبد الحميد، وتقول العبارة فوق المسجد “أنشئ هذا الجامع من قبل شراكسة جرش في عهد السلطان عبد الحميد سنة 1298 ه 1879م “.

وذكرت مصادر اخرى ان معظم الاسر الشركسية التي استقرت في جرش وغيرها من مناطق الاردن، عاشت كل اسرة منها لمده عام كامل في خيمة واحدة وزعتها عليهم الحكومة التركية (15) ،مما يعني ان الشراكسة شرعوا في العام الاول من استقرارهم في بناء بيوتهم في الاراضي التي خصصت لهم بالتساوي من قبل الدولة العثمانية، ومن المؤكد ان بناء المسجد كان من اولويات الشراكسة باعتبارهم مسلمين.

ومن الاستنتاجات الاخرى لكتابات الرحالة عن شراكسة جرش، ان عددهم بعد استقرارهم فيها كان تقريبا بين الاف الى الف وخمسمائة نسمة، حيث قال روبنسون ليس الذي زارها عام 1890 ان جرش تضم حوالي الف نسمة من الشراكسة، فيما قال جودريتش فرير بعد زيارته لها عام 1903 انه لم يعرف عدد ساكنها، لكن الرحالة شوميكر، قال ان عددهم يتراوح بين الف وخمسمائة الى الف وستمائة نسمة. وفي وقت لاحق وفي عام 1927م وبعد 49 عاما من استقرار الشراكسة بجرش، قال الدكتور كراوفون مدير مدرسة الاثار البريطانية في القدس ان عدد سكان جرش في ذلك العام هو خمسة الاف نسمة، معظمهم من الشراكسة، مما يدل على ان نمو عدد سكان المدينة خلال خمسين عاما وجذبها لبعض المجاورين لها، اضافة الى عدد من العائلات التي قدمت من سوريا وسكنت المدينة لأجل مزاولة اعمال التجارة التي برعوا بها.

ونستنتج من مشاهدات الرحالة ايضا، اجماعهم بان شراكسة جرش لم يتخذوا مناطق الاثار سكنى لهم وقاموا ببناء قريتهم في الجزء الشرقي من جرش. ومن مشاهدات الرحالة ايضا، اتفاقهم على ان زعيم شراكسة جرش المرحوم (حميد بن نوح حؤبش) كان يقدر اهمية الاثار، ومنع السكان من العبث بها. ومن المعروف ان شراكسة جرش استخدموا الكثير من حجارة المنطقة الاثرية المقطوعة بدقة والمتوفرة بكثرة في انحاء المنطقة لبناء بيوتهم، وهو ما يذكره الكثير من ابناء شراكسة جرش الاكبر سنا الذين عاصروا وعاشوا في بيوت الشراكسة القديمة التي كانت تمتاز بفن معماري متقدم ورائع في التصميم والبناء.

ولعل ما يلفت النظر من كتابات الرحالة، وصفهم لبيوت الشراكسة في المراحل الاولى لاستقرارهم بجرش، وقولهم بان هذه البيوت كانت تتمتع بالنظافة والترتيب، وانها كانت تحتوي على مستلزمات لم تكن معروفة في ذلك الوقت بكثرة، مثل قاعات الضيوف الواسعة، والوسائد ، والكراسي، والسجاد، ولعل وصف الرحالة اراسكين لمنزل الشراكسة الذين استضافوها بجرش وقولها “بانه كان نظيفا الى اقصى حد”، يمثل اهتمام الشراكسة وحرصهم على نظافة بيوتهم، باعتبار ان ذلك من اهم عاداتهم وتقاليدهم.

ومن مشاهدات الرحالة التي تستدعي الاشارة اليها، وصفهم لشراكسة جرش بالكرم وحسن الضيافة واحترامهم للضيوف وتمسكهم بالتعاليم الدينية، اضافة الى محافظتهم على عاداتهم وتقاليدهم، وارتدائهم لملابسهم القومية في ذلك الوقت مع ان بعضهم يرتدي الملابس الاوروبية ،مع الاشارة الى ان كل هذه الاوصاف يمتاز بها كل شراكسة الاردن، وفي كل اماكن تواجدهم لان هذه الاشياء مترسخة في حياتهم باعتبارها من اساس عاداتهم وتقاليدهم التي يتمسكون بالمحافظة عليها عبر السنين .

ومما يستدعي الوقوف عنده ايضا من مشاهدات الرحالة قولهم ان شراكسة جرش اخذوا على عاتقهم بمرافقة السياح الذين كانوا يزورون منطقة جرش كأدلاء، اضافة الى توفير الحماية لهم في ذلك الوقت المبكر، مع ان غالبية الشراكسة كانوا يعملون في الزراعة، اضافة الى ان عددا منهم عملوا في تصنيع الحجارة الكبيرة للبناء وبرعوا بذلك وخاصة ان الكثير منهم عملوا في المشاريع التي قامت لفتح الطرق ولإعادة بناء المنطقة وخاصة الاثرية بعد قيام امارة شرق الاردن عام 1921. ومن مشاهدات الرحالة المهمة ايضا، انهم بينوا تأثير شراكسة جرش على المنطقة بعد اعمارها وزراعتها وتطويرها، حتى نشطت التجارة فيها، وتقدمت مكانتها واصبحت جاذبة للسكان بعد ان كانت خربة مهجورة، واصبحت مع تقدم الزمن من اهم المدن الاردنية خاصة لشهرتها السياحية على مستوى العالم، حيث تحقق كل ذلك من خلال شراكسة جرش الرواد الاوائل الذين كانوا بحق اول من عمر هذه المدينة رغم المصاعب الكبيرة التي تعرضوا اليها خلال عملية تهجيرهم المضنية من اراضي اجدادهم في شمال القوقاز، والصعوبات والمعاناة التي واجهوها في بدايات استقرارهم في منطقة جرش، لكنهم رغم ذلك اختاروا الاردن وطنا دائما لهم تعايشوا مع اهله الكرام واخوتهم من ابناء العشائر الاردنية العريقة على السراء والضراء منذ ان وطئت اقدامهم هذه الارض الغالية والى ايامنا هذه، جمعهم جميعا تعاليم ديننا الحنيف وتشابه العادات ووحدة الهدف والمصير، وحب هذا الوطن الغالي والدفاع عنه بأرواحهم.

المراجع:-
1- محمد رشيد العقيلي، المسارح في مدينة جرش، 1973م.
2- محمود العابدي، جرش، ص11-12، عام 1957م.
3- مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج 6، ص13.
4- عائدة نغوي، المخطط التنظيمي لمدينة جرش، ص 90.
5- محمود العابدي، من تاريخنا، ص 120-121.
6- محمد ابو طالب، اثار الاردن وفلسطين، ص 19.
7- محمود العابدي، من تاريخنا ،ص221-123.
8- في ربوع الاردن، من مشاهدات الرحالة، ترجمة سليمان الموسى، ص 203-244.
9- نفس المصدر السابق.
10-نفس المصدر السابق.
11- نفس المصدر السابق، في ربوع الاردن، من مشاهدات الرحالة، 1875- 1905، ترجمة سليمان الموسى، ص 247-280.
12- محمود العابدي جرش ص 21-22.
13- علي محافظة تاريخ الاردن المعاصر.
14-سليمان الموسى، رحلات في الاردن وفلسطين، ص75-193م.
15- مقالة مترجمة لما كتبه الرحالة كرافون، قام بترجمتها وطباعتها في دمشق سيف الدين البرغوتي عام 1929م.
16- لانكستر هاردينغ، اثار الاردن، ترجمة سليمان الموسى، منشورات وزارة السياحة والاثار، عمان، 1971.

اعداد وتحرير محرر جلنار جرش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*