الرئيسية » أقلام جلنار » رسالة من القاضي المتقاعد لؤي عبيدات

رسالة من القاضي المتقاعد لؤي عبيدات

الزملاء الكرام قضاة محكمة الجنايات الكبرى الغراء ؛
لقد شَرُفت بشراكتكم والعمل بمعيتكم فِي حضرة هذه المحكمة الشامخه مدة زادت على ثمان سنوات قاضيا للحكم ومساعدا للنائب العام ومدعيا عاما منتدبا كُنتُم خلالها نموذجا في حسن السجايا ورفعة الاخلاق والالتزام الوطني ، حتى اذا ما انتهت رحلتي مع القضاء الجالس ووضعت أوزارها فإن مستودع الذكريات سيبقى حافلا بمواقفكم النبيله الدالة على شموخكم واستقامتكم الحقيقيه البعيده عن الزيف والتكلف ، وانتهز هذه الفرصه لاتقدم منكم جميعا فردا فردا بأسمى ايات الشكر والامتنان على هذا الثوب الفضفاض الذي البستمونني إياه من عظيم شمائلكم وعاطر طيبكم فأفضتم عليَّ بوافر الحب ودافق الود والتضامن ، كما وانتهزها فرصةً للتعبير عن تهنئتي القلبيه الصادقه للزملاء الكرام الذين نالهم حظ مستحق في قوائم الترقيات داعيا المولى جل وعلا للجميع بدوام التقدم واضطراد الفلاح .
لقد انضممت الى أسرة القضاءالاردني عام ٢٠٠٢ رافع الرأس معمور القلب بمساحات لا حصر لها من الامل بأن نسهم جميعا بالتحليق بالقضاء الاردني نحو مدارج الرفعة والتقدم والاستقلال الحقيقي الذي يدفعه حتما ليغدو رافعة اصلاحيه واداة وطنيه تربت على كتف الاحرار والإصلاحيين والشرفاء وتأخذ بيدهم وتدفعهم نحو الواجهه وتسهم في مسيرة التنميه الوطنيه عبر ضمان حقوق الانسان وحرياته وحماية المال العام وإحاطته بالقداسة ، والانتصاف لاصحاب الحقوق ايا كان نفوذ وقوة خصومهم ، وبالمقابل تحاسب – دونما إنتقام – الفسدة والسراق والفجرة ومسيئي إستخدام السلطه ، فطفقت ومعي رهط كريم من خيرة الخيره باحثا ومحاولا جادا لتغيير المنظومة القانونية البائسه التي تكبل القضاه وتحاصرهم وتصادر استقلالهم وتحرمهم من حقوقهم بتأسيس هيكل تنظيمي يمثلهم ويدافع عن مصالحهم وتحيلهم الى مجرد أدوات بأيادي قوى النفوذ والفساد والإفساد ، فنالني ما نالني من شيطنة وتضييق وتجريح وأذى تحملته بصبر المؤمنين وايمان الصابرين ، حتى ضاقت صدور العابثين الفاجرين المولعين بإشعال النيران وتأزيم الاوطان ، الناظرين الى الوطن عبر كوة المصالح والمنافع الضيقه الزائله والحاقدين على كل ذي إباء وشمم وحضور ، والناقمين على من يتطلع للوطن فيرى فيه صورة امه وإباه والمستحضر من على ترابه ذكريات البيادر وأهازيج الحصادين ورائحة الخبز البلدي ، فكان ما كان بأن صدر بالامس قرار كيدي انتقامي من لدن سقط متاع وتحوت قوم (( جمع تحت )) جاءت بهم الصدفة العمياء ليقودوا مؤسسة وطنية راسخة أسسها جيل البناة العظيم كمثل المرحومين علي مسمار وموسى الساكت ونجيب الرشدان وعلي النعسان على قيم الانصاف والعدالة والانتصار للضعفاء والمسحوقين في مواجهة اهل النفوذ والمتجبرين ، فما كان من ابناء هذه الصدفة العمياء الا ان قلبوا المعادلة رأسا على عقب فأحكموا وثاق الاحرار وتحولوا الى بيادق رخيصة بيد اهل النفوذ وقوى الفساد والإفساد فإستحال الوطن الى قطعة نار تكوي بلهيبها اجساد فقراءه وتحرمهم من ابسط حقوقهم التي تضمن لهم حياة كريمة فإنقسموا بين ملاحق ومحكوم وفار من وجه العداله وهائم على وجهه في بلاد الله الواسعه ، وبين مغلوب على أمره بلا حول او قوه تنهشه الأمراض ويسحقه القهر والجوع والكبت والاستسلام البغيض ، وبالتالي فإن قرار الامس بإحالتي الى التقاعد ما كان يوما بعيدا عن هذه المعادله المقيته والجهنمية الساعيه لتحييد ومطاردة ذوي الضمائر النقيه وارباب الفكر الحر واصحاب الرؤى الوطنيه .
الْيوم واذ أغادر القضاء الاردني ليس كما دخلته فحسب مرفوع الهامة وكفى ، بل أغادره من الباب العريض والواسع محمولا في قلوب الشرفاء ومتموضعا في نبض اوردتهم وأحداق عيونهم ، اما من احالوني من شياطين الصدفة العمياء فمكانهم الحتمي سيكون ذات يوم قريب هو مزبلة التاريخ التي بِتُّ أشفق عليها ذلك ان قدرتها الاستيعابية لن تسعفها في احتواء كل ما سيحل عليه قريبا جدا من جيف ذات حضور دميم ورائحة نتنه ستدفع تلك المزابل حتم الى احد خيارين اما الانتحار او الاستقالة من وظيفتها والاعتذار عن مهامها في استضافة اللقطاء ومسؤولي الصدفة والكفرة والفجرة والسراق والنهاب والجبناء والخراصين .
وختاما ،، فإننا مستمرون فيما عقدنا العزم عليه لتضيء ذات يوم قريب شموس دولة القانون والمؤسسات والانصاف والعداله ، ولنصحوا ذات فجرقريب على وطن يتفيأ ابناءه ظلال قضاء مستقل وشجاع يحفظ الكرامات ويعلي الهامات ويرد الحقوق ويصون الحريات .

أستودعكم زملائي الكرام هذا الوطن الابي ، حناء ترابه وكرامات وحقوق وحريات ابناءه ، وبسمات اطفاله ، وانجازات مؤسسيه ورواده ، مستأذنا إياكم مغادرة المجموعة دون مغادرة قلوبكم المرهفه العطوفه الأنوفه ،،، عشتم وعاش الاْردن وطنا لكل الشرفاء والاحرار ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

اخوكم القاضي المتقاعد لؤي عبيدات .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*