الرئيسية » لمكتب المسؤول » إلى نائب عام عمان

إلى نائب عام عمان

حتى لا يُقال أن القضاةَ صمتوا
// الرائد القاضي نضال الوخيان

إلى نائب عام عمان
العدل بين النقابة والأكاديمية … أفرجوا عن المعلمين

لقد كان قراركم بتوقيف المعلمين لا يستند إلى أي أساس قانوني سليم، إنما جاء تماشياً مع ظروف سياسية بين النقابة والأكاديمية لا علاقة للقضاء بها، وكان على القضاء أن ينأى بنفسه عنها ليبقى القضاء حِرزاً للعدالة والإنصاف والمظلة التي يحتمي بها الجميع.

أولاً : لقد نصت المادة ١١٤ فقرة ١ من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم ٩ لسنة ١٩٦١ وتعديلاته على أن التوقيف هو تدبير استثنائي، وهذا يعني أن القاضي الذي يمارس وظيفة النيابة العامة يلجأ للتوقيف على سبيل الاضطرار وليس على سبيل الاختيار، لأن الأصل هو عدم التوقيف والاستثناء هو التوقيف، آملاً منك أن تأخذ بعين الاعتبار معنى كلمة تدبير وتمييزها عن العقوبة.

وقد حدد المشرع في النص أعلاه موجبات التوقيف على سبيل الحصر في سبع حالات لا ينطبق أي منها على المعلمين، وغاية المشرع من هذه المادة وهذا التحديد هو عدم اللجوء إلى التوقيف ابتداءً تماشياً مع السياسة التشريعية الجديدة التي تهدف إلى إصلاح وإعادة تأهيل المجرمين.

ثانياً : وتأكيداً على ما سبق ولرغبة المشرع الأردني في عدم اللجوء إلى التوقيف قدر المستطاع، فقد استحدث المشرع الأردني في التعديلات الأخيرة لقانون أصول المحاكمات الجزائية أعلاه نص المادة ١١٤ (مكررة) والتي تحدثت عن بدائل التوقيف التي تلجأ لها النيابة العامة تفادياً لاستخدام صلاحية التوقيف، وهي الرقابة الالكترونية، ومنع السفر، والإقامة في أماكن محددة، والكفالة العدلية أو البنكية، وهذا النص ليس مجرد (اكسسوار) وضعه المشرع لغايات التزويق والتجميل، إنما يجب أن يستخدمه المدعي العام متى ثبت له من أخلاق المشتكى عليهم ما يستدعي عدم توقيفهم، وأنت تعلم أن الدكتور ناصر النواصرة وأعضاء مجلس النقابة ليسوا من أرباب السوابق، أو ممن يثيرون الرعب في المجتمع.

ثالثاً : الأردن قام بالتوقيع والمصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب لعام ١٩٨٤ والتي تعتبر التوقيف غير المشروع والمعاملة اللاإنسانية للسجين ومنها الإهمال الطبي جرائم تعذيب تستوجب الملاحقة القانونية لمُصدر أمر التوقيف، سواء كان قاضياً أو غيره، بل وإنها تُرتّب تعويضات مالية للمتضرر، ويُلزم بها القاضي الذي يصدر أمر توقيف غير مشروع، حيث نصت المادة ١٤ الفقرة الأولى من الاتفاقية المذكورة على :
المادة 14
1- تضمن كل دولة طرف، في نظامها القانونى،إنصاف من يتعرض لعمل من أعمال التعذيب وتمتعه بحق قابل للتنفيذ في تعويض عادل ومناسب بما في ذلك وسائل إعادة تأهيله على أكمل وجه ممكن،وفي حالة وفاة المعتدى عليه نتيجة لعمل من أعمال التعذيب ،يكون للأشخاص الذين يعولهم الحق في التعويض.

2- ليس في هذه المادة ما يمس أى حق للمعتدى عليه أو لغيره من الاشخاص فيما قد يوجد من تعويض بمقتضى القانون الوطنى.
وكذلك فقد نصت الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الثانية من الاتفاقية على عدم جواز التذرع بقانون الدفاع أو الطوارئ أو الأوامر العليا حيث جاء نصها ” ٢ – لا يجوز التذرع باية ظروف استثنائية ايا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلى أو اية حالة من حالات الطوارئ العامة الاخرى كمبرر للتعذيب” .

٣ – كما لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب.

ومن نافلة القول أن الاتفاقية بعد المصادقة عليها تصبح في مرتبة أعلى من القانون الوطني.

رابعاً : إن الضابط الأخلاقي الذي يضبط عمل القاضي سواء كان من قضاة الحكم أو من قضاة النيابة العامة، هو الضمير… فالتوقيف سيف مُسلَّط على رقاب العباد يستخدمه القاضي بحدود القانون، وبما يمليه عليه ضميره.

خامساً : أنت تعلم أن المحكمة ستحكم على أعضاء مجلس النقابة بعدم المسؤولية، لأن الأموال موضوع هذه القضية ( المُدعى اختلاسها) تم التبرع بها للحكومة، واعترفت بها الحكومة، فلماذا تلجأ إلى توقيف شخص وحرمانه من رؤية أهله وإعالة أطفاله وأنت تعلم أنه غيرُ ذي ذنب في الدعوى المنظورة.

خامساً : أُذكّركَ بوصية سيدنا عمر بن الخطاب عندما ولّى أبي موسى الأشعري منصب القضاء رضي الله عنهما حيث قال له ” ولا يمنعنّكَ قضاءً قضيتَ فيه اليوم، فراجعت فيه رأيك، فهُديتَ فيه لرُشدك، أن ترجع فيه إلى الحق، فإن الحقَ قديم لا يُبطِله شيء، ومراجعةُ الحقِ خيرٌ من التمادي في الباطل “.

سادساً : القضاء الاردني ليس كالقضاء المصري، واستنساخ التجربة السيساوية في القضاء ليست في مصلحة وطننا الغالي الذي أقسمنا على حمايته، وقد رأينا كيف تم استخدام القضاء المصري لتصفية الخصوم السياسيين لنظام السيسي، فمن العار أن يكون القاضي أداة بيد السلطة التنفيذية، أو متواطئاً ضد أحد خصوم الدعوى، لإنه وكما هو معلومٌ لك فإن النيابة العامة هي خصم شريف للمشتكى عليه وليست جلّاداً له.

سابعاً وأخيرا : أدعوك أن تكون عادلاً في خصومتك، فأنت بالنتيجة قاضي، ولست جزءاً من الصراع بين النقابة والأكاديمية، وهؤلاء المعلمون هم مربو أجيال فحتى من باب المصلحة العامة للدولة لا يجوز توقيفهم، لإن ذلك يضر بمصلحة العملية التعليمية في الأردن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*