الرئيسية » أقلام جلنار » التنمر وحماية المستهلك

التنمر وحماية المستهلك


بقلم الدكتور محمد ابراهيم عبيدات
بداية لا بد من القول بأن كلمة التنمر ذات علاقة كبيرة بالترويج والاعلان. ذلك أن التنمر في مجتمعنا ظاهرة جديدة جدا. نتذكر أن الاباء والاجداد كانوا على درجة عالية من النزاهة والموضوعية والصدق عند الكلام أو السلوك. بشكل مبسط يأخذ التنمر كسلوك عدة صور منها ما ينشأ في الأسرة هذه الأيام. لذا تجد الطفل ( أبنة أو ابن) يرددون ما قالته الام والاب وغيرهم دون وعي أو تمحيص… يذهبون لرياض الأطفال- إن ذهبوا- والمدارس والجامعات ومؤسسات العمل ويكتسبون اشكالا متقدمة من التنمر لاسباب شخصية ومرضية أو اقليمية أو جهوية أو قبلية الخ. لذا فإنهم يمارسون التنمر – أو حالة الكذب- نتيجة الانكار لما بدر من غيرهم نحوهم من سلوكيات سلبية وتحت عناوين مختلفة. إذن فالتنمر يبدأ بالتربية الأسرية للأبناء أو الأطفال ويستمر معهم وتحت عناوين مختلفة وحسب الحاجة اليه ووفق الظروف المحيطة.
فالتنمر يعتبرحاليا ظاهرة منتشرة وبشكل واسع في الأردن وغيره من البلدان العربية ولربما له عدة اسباب أهمها أولاً التربية البيتية والمدرسية والجامعية، وثانيها أن التنمر الأسري قد ينشأ نتيجة الشعور بعدم العدالة عند أخذ الحقوق في مؤسسات العمل( حكومية كانت أم خاصة). ذلك أن الأفراد الذين يظلمون بأي من هذه المؤسسات غالباً ما يلجأون لممارسة سلوكية التنمر التي قد تتصف بالكذب أو الدجل أو الشتائم وتأليف القصص الوهمية على الأفراد المتنمرين عليهم. ثالثا، أن التنمر قد ينشأ من بعض الأجهزة الحكومية التي لا تقول احيانا الكلام الصادق او الموضوعي والمدروس لما تتحدث عنه من قضايا وموضوعات . ورابعها أن التنمر قد يأتي من بعض وسائل الاعلام والتي للأسف لا ترتاح الا إذا غيرت بعض الحقائق والأمور وبشكل شخصي يدمرون هذا الشخص أو الجهة التي تتعامل معهم. أما الأمر الخامس، أن التنمر قد يكون نتيجة طبيعية لعدم تكيف البعض من الأفراد مع ظروفهم الحياتية لذا فإنهم يلجأون لبث الاشاعات أو الأقاويل أو الأكاذيب هنا أو هناك تبريراً لفشلهم وعدم تكيفهم مع واقعهم كأفراد فاشلين ليسلطوا سهامهم والسنتهم على الأشخاص الناجحين مستخدمين قصصاً وهمية ليس لها أي تأكيد من الماضي حيث كان بعضهم من صغار السن أو المراهقين والذين فشلوا في كل شيء.
وتجدر افشارة هنا الى أن هذا النوع من المتنمرين لم يفعلوا شيئا لحياتهم بل أنهم كانوا وما زالوا كسالى محبطين قلقين من أي شيء.
من المعروف أن التنمر ما هو إلا سلوكاً عدوانياً وكذبا مركباً موجه للناجحين من قبل الأفراد الفاشلين في هذا الظرف الحالي الكئيب من انتشار وباء الكورونا بهذه الدرجة الكبيرة في بلدنا وباقي البلدان العربية.
الحقيقة أن التنمر في مجتمعنا يأخذ صورا عديدة منها التنمر اللفظي والاجتماعي وهو ما شاهدناه تنمر ظالم وقع على بعض الموظفين الحكوميين مؤخرأً بالإضافة الى التنمر الالكتروني والذي وقع عن طريق استخدام المعلومات بطريقة عدائية كان هدفها ايذاء الاخرين وبطرق مباشرة وغير مباشرة كالتهديد والاهانة. ومن اثار التنمر ايضاً اللجوء الى استخدام العنف باعتبار أن الشخص المتنمر شخصا يعيش في كآبة مستمرة وما يلحق به أي القلق من عوارض اخرى كالإضطراب وفقدان الرؤية والظلم للأخرين.
وتجدر الاشارة هنا أن الممارسين لخاصية التنمر أو الكذب أو بث الاشاعات هم اصلا من المرضى النفسيين والذين يحتاجون من عائلاتهم العناية والعلاج المستمر حتى يتخلصوا من هذا المرض. والحقيقة أن خاصية التنمر الحالية في مجتمعنا ستأخذ بعض العقود من الزمن حتى يتم التخفيف منها تمهيداً للخلاص منه اي التنمر بشتى صوره أو أشكاله. إذن نحن بحاجة الى استراتيجية شاملة للتخفيف من هذا المرض الذي كانت اسبابه كثيرة وذات علاقة مباشرة مع امراض المجتمع بشرائحه المتنوعة ولدوافع مختلفة. الحقيقة نحن نحتاج كما ذكرنا سابقا الى أكثر من عقد من الزمن حتى نخفف من التنمر. ذلك أن الاجواء الحالية وفي كل المستويات تشجع على استمراره وانتشاره. إننا في الواقع يجب أن نبادر الى وضع استراتيجية تشمل القطاعات الحكومية جميعها مع مشاركة القطاع الخاص وشراكة فعلية لمنظمات المجتمع المدني والاعلام وذلك من حيث البدء بوضع استراتيجية متعددة الابعاد والركائز تعتمد أول ما تعتمد على التخصص العلمي والبحوث الموضوعية الهادفة لتحديد اسباب أوجذور التنمر ليصار بعد ذلك الى وضع البرامج الواقعية للتعامل معه تخفيضا وصولا للقضاء عليه بالإضافة الى استخدام وسائل وموارد مناسبة لكل هدف تم تحديده في هذا البرنامج والاستراتيجية.

ختاما، اننا في حماية المستهلك الاردنية نتابع باهتمام كبير صور واشكال التنمر الشائعة في الاردن والعالم العربي لذا فنحن مستعدين على المشاركة بوضع الاستراتيجية الكفيلة بمحاربته والتخفيف منه بالإضافة الى المشاركة بوضع البرامج وتنفيذها وصولاً لتحقيق اهداف الاستراتيجية الموضوعة من قبل كافة الفرقاء من جهة بالإضافة الى هدف حماية كل انواع المستفيدين من الأفراد من جهة أخرى.

أخيرا، اقدم الشكر الجزيل للإعلامية المتميزة بالإذاعة الأردنية الفاضلة وفاء حسن على تكرارها لذكر لسلبيات التنمر واسبابه واشكاله والتي حفزتني لهذه الكتابة المطولة عن هذا الموضوع أو هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة على مجتمعنا الأردني..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*