الرئيسية » بورتريه » الشيخ حسن الحجي الرواشدة تاريخ وماضي عريق.. شمسه لا تغيب

الشيخ حسن الحجي الرواشدة تاريخ وماضي عريق.. شمسه لا تغيب

حسن الرواشده

جلنار جرش – كنب ناصر قمش

أدت العشيرة دوراً محورياً في تاريخ الأردن قبل تأسيس إمارة شرق الأردن والمملكة الأردنية الهاشمية بعد ذلك، وكانت رجالات العشائر الذين تسلموا البيعة الضمنية يعتبرون بمثابة الأوتاد في المنطقة التي كانت تشهد تراجعاً بل وعطباً في وظائف الدولة مع المرض العضال الذي أصاب الدولة العثمانية، وكانت عيون زعامات العشائر منصبة على الاستقرار والأمن في المنطقة أملاً في ايجاد عقد اجتماعي يتبنى طموحاتهم الكبيرة.

ولعل الجيل الذي بدأ وعيه في التشكل قبيل الحرب العالمية الأولى واستطاع أن يخطو إلى مراتب الزعامة المحلية بعيد انتهائها ومع تأسيس المملكة تحمل جانباً عظيماً من المسؤولية في قيادة الأردنيين تجاه تحقيق حلمهم المشروع بالتواجد في دولة مستقلة وذات سيادة ولا سيما أن الحلم كان يبدو أحياناً مهدداً بمخاطر جسيمة في ظل وجود المطامع الصهيونية وهو ما تنبه له الشيخ راشد الخزاعي الذي أخذ على عاتقه أن يقود الوعي الأردني في منطقة جرش وعجلون واربد تجاه المقاومة والثورة في كل أرض عربية.

ويعتبرالمرحوم الشيخ حسن الحاج فليح الرواشدة امتداداً لهذا الجيل بما قدمه لمجتمعه المحلي بمنطقة المعراض في جرش ولأبناء وطنه الأوسع في المملكة ككل.

وتمثل المعراض ظاهرة جغرافية استطاعت أن تضم بتحنان خمس قرى رئيسية في جرش وهي ساكب والحدادة وريمون ونحلة والكتة التي شهدت فصول حياة الشيخ حسن الحاج فليح الرواشدة ومن قبله والده الشيخ الحاج فليح الرواشدة الذي اشتهر في المنطقة بكرمه الشديد وتقدمته للمصالح العامة على مصلحته الشخصية، فيسجل له التاريخ قسمه مع المجاعة التي رافقت الحرب العالمية الأولى بألا يشتري شيئاً من الأرض طالما في قريته جائع، ولذلك كان ينادي (العيش يا جيعان) حتى اشتهر ذلك النداء في الكتة وما حولها، وكان الشيخ فليح ممن استقبلوا الملك عبد الله الأول في منطقة جرش في مأدبة استطاعت أن تجمع وجهاء المنطقة وشيوخها ليحققوا حالة من الالتفاف حول الملك المؤسس لدى مقدمه للأردن، وكانت ضيافة الشيخ فليح تعبيراً عن الرضى والمساندة من العشائر الاخرى التي تعتبر منافساً تقليدياً في الخيرات والمحامد مع عشيرة الرواشدة التي ينتمي لها الشيخ فليح الرواشدة.

هايل الكايدمبادرة و تواصل مع الجميع:

ولد الشيخ حسن الحاج فليح الرواشدة في ذلك البيت العامر سنة 1890 وتفتح وعيه على التحديات التي رافقت تأسيس الإمارة وبناء اللبنات الأولى للمملكة التي تحولت إلى مثل ريادي وقيادي في المنطقة العربية كلها، فعلى أرض الكتة التي حملت حصة كبيرة من التاريخ للدرجة التي يحمل فيها كل حجر هويته الضاربة في التاريخ والذي أتى خياره ليكون بالكامل مع الإمارة وطموحاتها مع أنه كان يمتلك ناصية اللغة التركية التي تعلمها في طفولته في مدرسة سوف على يدي الاستاذ شكري

وكان يمكن أن تفتح له دورا في صفوف الدولة العثمانية ووظائفها ،وخاصة أن ذلك كان طموحاً لكثيرين وبوابة ذهبية للدخول في الحياة الرسمية وللمناصب في ذلك العصر، ولكن الشيخ كان يفضل أن يكون في موقع القضاء العشائري في هذه المنطقة التي كانت دائماً الأكثر قدرة على تسوية مشكلاتها داخلياً لوجود الرجال الذين يمتلكون المبادرة والذكاء للتواصل مع الجميع والاستحواذ على ثقتهم نظرا لمصداقيتهم ورجحان عقولهم، ولذلك كان الشيخ حسن الحاج فليح الرواشدة يؤدي دوراً رئيسياً في خلق حالة من التواءم والتسامح بين أهالي المنطقة، و يذكر هايل الكايد الذي عمل في سلك القضاء انه أمضى اكثرمن نحو ربع قرن في صفوف الوظيفة ولم يعثر على قضية واحدة من قرية الكتة التي كانت تلجأ للشيخ في تسوية الكثير من المشكلات الاجتماعية.
عبد الله الرواشدهمرجعية قضائية:

أما عن دوره في القضاء فقد كان مرجعية قضائية  للمحاكم النظامية  في المنطقه، وعندما كان يصعب على تلك المحاكم الفصل في بعض القضايا،  كانت تحيلها له طلبا للمساعة في القضاء

ويذكر ان والد صياح البادي العويس (وهو قس عجلون في حينه) قد تزوج بعد وفاة ام صياح زوجة مسيحية من سوريا ولم تنجب له اطفال/ وبقيت معه 36 عام. وبعد تلك الفترة سجل جميع الاراضي باسم صياح وطردها من البيت الذي سجلة باسم صياح وسرق اغنامها البالغة عشرة رؤوس وباعها في السوق وطردها من حياتة، وليس لها أهل فلجأت الى المحكمة الكنسية واستمرت قضيتها (3) سنوات بدون نتيجة.   ثم تقدمت بدعوى اخرى لدى محكمة الصلح البدائية واستمرت سنتين بدون حل.   ثم اتصل القاضي الشيخ حسن الحاج فليح الرواشدة وابلغة بوجود قضية لم يتمكن من حلها وطلب منه حلا اجتماعيا  وان المحكمة ستؤيد الحكم الذي يضعه.

فسأل الحاج حسن القاضي عن فحوى القضية فأخبره بها، فطلب الحاج حسن تعيين أعضاء من وجهاء المسيحيين في اللجنه لان القضية تتعلق بهم، فتم تعيين السيد عيسى الخليل الحداد وعقيل الحداد وكلاهما من سكان جرش ومن وجهاء المسيحية وابلغوا رسميا بعضوية اللجنه.

فجاءت المرأة وزوجها الى الحاج حسن عندما علموا بذلك فأبلغهم ان يحضروا يوم الجمعه القادم في بيت عيسى الخليل الذي ابلغ هو ايضا وعضو اللجنة الاخرعقيل الحداد.
وعلى الموعد حضر الحاج حسن ومعه ابنه عبدالله (ابو الوليد) وبعد ان جلسوا ودخلت المرأة لطرح حجتها: فقالت انا تزوجت منذ 36 عاما وزرعت ارضه زيتونا، ونقلت له الماء من عين دبين على رأسي،  وربيت له ابنه من زوجتة المتوفاة، وخدمتة وأتحداه أمامكم اذا كنت قصرت في خدمتة وبعد هذا العمر طردني ورماني في الشارع وأعطى جميع أملاكة الى أبنه صياح، وسرق اغنامي هو وابنه وانا نائمة ونزل السوق وباعهم وطردني من البيت.

فرفعت قضية في المحكمة الكنسية لمدة (3) سنوات دون جدوى.   ثم أقمت دعوى في المحاكم المدنية لمدة سنتين ولم أحصل على نتيجه لغاية الان وهذه قضيتي أمامكم، فأمرها الحاج حسن بالجلوس.   وسأل بادي ماذا  تقول عن كلام زوجتك فأجاب:   ألمال مالي والارض ارضي وأنا حر وليس لها عندي حق، فسأل هل هذا مالديك ؟ فأجاب نعم.

فقال الحاج حسن موجها الكلام لعضوي اللجنه:   مارأيكما يا وجاهات المسيحية ؟

فاجابوا الرأي رأيك يا أبو سليمان، فقال: سأعتبر هذه الزوجة ليست زوجته وقامت على خدمته (36) عاما، أليس لها حقوق. اين العدل ؟  وقال (ابنك قسيس ؟   ابنك لايستحق ان يكون قسيسا لو كان قسيسا لما قبل هذا العمل).

فقال انا احكم لهذه المرأة أعادة تسجيل البيت بأسمها لحفظ كرامتها وحدد لها راتبا مدى الحياة قدره 25 دينارا شهريا وتم تشكيل لجنه تقدر قيمة الاغنام ويدفع ثمنها للمرأة.

ثم سألها هل أنت راضية فأجابت: الله يكثر من أمثالك، وعليه وقعت اللجنة هذا القرار الذي تضمن تقدير قيمة الاغنام بمبلغ (850) دينارا دفعهم لها في المحكمه ونفذ القرار.

صلحة البلقاء و الشمال:

تسعفنا ذاكرة الحاج عبد الله الرواشدة ابو الوليد انه وفي حدود عام 1950م  كان هناك عطوة صلح لحادثة قتل بين الشمال (والمتحدث باسمهم الحاج حسن الرواشده) والبلقاء (والمتحدث باسمهم بهجت الصليبي).   وعندما التقيا في مكان الصلح في البلقاء، طلب بهجت الصليبي 50000 دينار ديه المجني علية وتم تنزيل المبلغ الى 30000 دينار، فرفض الحاج حسن  وقال هذا عرف جديد، واجابه الصليبي والله هذا الموجود.    فقام الحاج حسن وقال: ياشمال البلقاء بلقاء والشمال شمال وعد رجالك وارد الماء بيننا وبينكم سيل الزرقاء

ثم قام اخوان المغدور بالدخاله بالحاج حسن وقالوا له ماذا تريد، فقال (ان يتم الصلح حسب المتبع في حينه)، وبعد الحوار وصل المبلغ الى 6000 دينار ووافق الطرفان وتم الصلح.

وفي  الذاكرة الوطنية ورد حول الأحداث الجسام التي مرت بها ماعرف بحرابة المومنية والسوافنه والتي بدأت مع السوافنة ثم استنجدوا بالمحاسنه باعتبار انهم اقاربهم (أخوال علي باشا الكايد وجدتة حمده المحيسن المحاسنه)  ثم استمرت 36 عام بعد ان تخلى السوافنه عن المحاسنه واقاربهم.   وأخيرا اوفد الأمير عبدالله الشريف عقاب الى المومنية وتمت ضيافتهم لدى المختار،  وعندما  خرج المختار لملاقاة الحلال تم قتله فغادرت الجاهه بما فيهم الشريف عقاب.

وقد أشترك الشيخ حسن الحاج فليح الرواشدة مع الشريف عقاب فيما بعد في انهاء حرابة المومنية والسوافنة على اساس حفار دفار على اثر مقتل سليم المومني  ثأرا  لمقتل سالم بن عيسى  شقيق عبدالله العيسى شيخ المحاسنه في حينه بعد عدة زيارات الى كفرخل وذلك في عام 1922م.

ويتوفر هناك العديد من الوثائق العثمانية التي تمت ترجمتها الى العربية محفوظة لدى الأستاذ الدكتور احسان المحاسنه والتي تبين سجل الدعاوي القضائية التي اقامتها المحاسنه على هيشان المومني في المحكمة في الشام ولمدة 16 عاما متصلة (في مابين الأعوام 1870م – 1886م).

الشيخ راشد الخزاعيعراضة الخيل:

وفي موقف آخر يعزز من مواقف الشيخ حسن المنفتحة كان اصراره على رعاية المعلمات في المدرسة الصغيرة التي افتتحت في المعراض لتعليم بنات المنطقة، وكان الشيخ يقف أمام المعارضة الاجتماعية ويحرص على تواصل الدراسة والتحاق الفتيات بها، حتى أنه كان يخرج ليلاً ليطوف بسكن المعلمات ويتأكد بأن أحداً لا يضايقهن لدفعهن للرحيل عن المنطقة.وامتد دور الشيخ خارج المحافظة أيضاً، وكانت مواقفه تدلل على انفتاح كبير على قضايا المجتمع الأردني، واتخاذه مبادرات غير مسبوقة كانت تنم على بعد النظر في كثير من القضايا ففي جاهة المجالية لآل التلحمي بعد حادثة دهسهم لأحد أبناء  أحمد عيسى التلحمي وبعد أن انتهت الجاهة بتنازل الأب عن حقوقه اكراماً للشيخ حسن تفاجأ الحضور به يطلب أن تحضر أم الفقيد وأن تطلب ما شاءت تعويضاً لها عن الفقد في الولد الذي ربته ورعته، وقال وقتها أن لأمه مثل أبيه الحق في أن تحضر وأن تطلب فالتنازل عن الحق من الأب لا يسقط حق الأم ولا يجب أن يصادره فما كان من السيدة الفاضلة إلا أن تنازلت عن حقوقها إكراماً للشيخ الذي أكرمها وأكد على حقوقها ودافع عن كلمتها ووجودها،

لم يقتصر الدور الاجتماعي للحاج حسن الفليح الرواشدةعلى المشاركة في تمثيل الناس في الحكومات المحلية والفصل بالقضاء ، بل تعدى ذلك الى المشاركة في ما عرف في حينة باسم عراضة الخيل أي الفروسية.    فقد كان يمتلك فرسا عربية اصيلة وقد كان يشترك دائما في سباقات الخيل التي ينظمها الامير عبدالله سنويا في الشونة الجنوبي (شونة بني عدوان) وقد كان يحصل على المرتبة الأولى  في السباق كل سنه على مدى سنوات عديدة

زهد في المناصب:

هذه الثقة الشعبية جعلت الشيخ حسن الحاج فليح الرواشدة حاضراً دائماً في الاستحقاقات الانتخابية ليس بوصفه مرشحاً فهو أمر كان يرى فيه خروجاً من دوره ومكانته العشائرية كأحد القضاة المتعارف عليهم والذين يحتاجهم الناس دائماً، ولجأ للمحافظة على نزاهته الشخصية بتجنب هذه النوعية من المناصب، إلا أن وجوده كان صمام أمان يحول دون استغلال الانتخابات لبث بذرة الخلاف والشقاق بين العشائر، وخاصة أن الشيخ طالما احتفظ بالاعتراف والتأييد والاحترام من أبناء عشيرة العتوم التي وجدت فيه شخصاً يمكن الاحتكام له والنزول على حكمه بكل ثقة ويقين في رجاحته ونزاهته، وفضلاً عن ذلك سرعة بداهته وقدرته على قراءة الرجال وتلمسه لحاجات الناس من أجل السعي لتلبيتها ليوفر عليهم حرج المسألة والإجحاف الذي يتعلق بذلك، فكرامة الإنسان كانت مقدمة لديه على كل اعتبارات أخرى، وكان يسعى دائماً للمحافظة عليها ويجد في ذكائه وخبرته في الحياة ما يمكنه من أن يشمل الجميع بحكمته وعطفه.

توفي الحاج حسن فليح الرواشدة سنة 1988 وهو يقارب مائة عام من العمر، كان يقضيها في حياة بسيطة وربما متقشفة بمقاييس عصره أيضاً، وكان بعد أن يفرغ من مهامه العشائرية يتوجه للأدب العربي القديم وخاصة الشعر الذي كان يحفظ آلافاً من الأبيات منه، والسيرة النبوية العطرة التي يبدو أنها أثرت كثيراً في شخصيته ورؤيته للحياة، وبرحيله كانت جرش كلها والمملكة أيضاً تفقد أحد الزعامات العشائرية وعرفاناً بفضله تنافست عشائر جرش كلها في إكرام أهله الذين اضطروا لأن يلبوا دعواتهم للطعام التي تعد ضمن تقاليد الإكرام لقدر الراحل لمدة تجاوزت الستين يوماً في مشهد يعبر عن مدى التلاحم والتضافر والتعاضد الذي كان الشيخ رحمه الله أحد صناعه ورعاته على امتداد عقود من الزمن.

بقيت ذكرى الشيخ في المامه بالثلاثة أعمدة التي تحدث عنها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو ترك وراءه العلم الذي ينتفع به من خلال الدروس التي جعلها حاضرة بين الناس يتخذون منها العبرة ويتبعونها لتكون عوناً لهم على الخير وفيه، كما وترك وراءه أيضاً الصدقة الجارية التي كانت لا تدري يده اليسرى عما تنفقه اليمنى فيها، وأخيراً ترك وراءه الولد الطيب الذي يلهج للوالد بالدعاء ويستذكره في حياته ويتمثله في كل كبيرة وصغيرة وكأنه حاضر بما أورثه لأبنائه من أخلاقيات وقيم تستطيع أن تتجاوز حدود الزمن والمكان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*